ثورة أون لاين - بقلم رئيس التحرير: علي قاسم:
تتوالى تداعيات الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي، وتدفع بكرة النار إلى التدحرج وسط منحدرات سياسية وانزلاقات متعرجة، حيث لم تنفع معها مواقف الرفض الأوروبي لهذا الانسحاب، كما لم تتأثر بصيغ الاعتراض من الغرب والشرق،
والتي وصلت إلى منبر الأمم المتحدة التي أعلن أمينها العام انتقال عدوى القلق الذي اعتدناه من سلفه، فيما القراءات تتدحرج بالانحدار ذاته من صيغ مخففة في بعض جوانبها.. إلى تهويلات واستطالات تحمل في طياتها ما يصعب التكهن باحتمالاته، خصوصاً في ظل مشهد سياسي أميركي أقرب إلى الدراما المريرة منه إلى أي شيء آخر.‏

ورغم ما يبدو من تعويل في الشكل على موقف الثلاثي الأوروبي، باعتباره قد يشكل مشهداً يؤخر - على الأقل - الانهيار الكامل للاتفاق، ويخفف مبدئياً من حدة الاندفاعات الارتدادية الناتجة عن التهور الأميركي، فإن المنطق السياسي والقراءة الهادئة للدور الأوروبي وتأثيراته تجعل من الصعب تخيّل إمكانية لعب دور الإطفائي للحرائق الأميركية حتى وقت طويل، حيث الأميركي كان الكتلة الصلبة في الاتفاق، وإقناع الأميركيين به أخذ وقتاً وجهداً أكثر من كل ما واجهه من الدول الأخرى مجتمعة، وهو في المحصلة النهائية كان الثقل النوعي الذي يُفقد الاتفاق بعد الانسحاب الأميركي الكثير من أوراقه ومكتسباته الحالية والمستقبلية.‏

والأخطر.. أن أميركا في نهاية المطاف لم تنسحب كي يبقى الاتفاق قائماً.. على الأقل في شكله الحالي، وحتى إذا بقي فإنه يفتقد الدور والتأثير والفاعلية، وليس هناك من يضمن ألا تمارس أميركا دور المفجر لما تبقى منه، أو المعطل في الحد الأدنى، ما يجعله غير ذي معنى سياسياً وقانونياً وحتى واقعياً، خصوصاً أن إدارة ترامب لم تخفِ رغبتها وهدفها من الانسحاب، وبدأت مباشرة في سياسة المساومة على التعديل أو إطار اتفاق جديد، وهو ما يبدو صعباً، ولاسيما في ظل انكشاف أبعاد ما تخفيه بالشراكة مع أوروبا، والتي بدأت الأصوات تتناغم على ضرورة مناقشة تعديلات قد ترضي أميركا ليكون اتفاقاً جديداً بشروط جديدة.‏

مجمل هذه الاحتمالات تبدو حمّالة أوجه.. بدءاً من البقاء الأوروبي ضمن الاتفاق، حيث لغة التأسف هنا لا تقدم أي قيمة مضافة للموقف الأوروبي، المعروف أنه في محصلته النهائية لابد أن يرضخ للإملاء الأميركي ولرغبة واشنطن، وهو ما يرجح كفة أن يكون الانسحاب الأميركي والبقاء الأوروبي مشهداً تمثيلياً يفتقد للإتقان، حيث توازع الأدوار مكشوف، ولا يمكن أن ينطلي على الإيرانيين بأي حال من الأحوال.‏

هذا يدفع للجزم أن كرة النار هنا لا تكبر فقط، بل تزداد ألسنة اللهب المحيطة بها، خصوصاً مع كل هذه التداعيات التي تجعل المنطقة والعالم أمام مخاطر لا يمكن التكهن بنتائجها، في ظل تربص إسرائيلي وتحمس سعودي لاقتناص الفرصة، والدفع بالمشهد الإقليمي وربما الدولي إلى أتون المواجهة، وصولاً إلى حافة الهاوية، وليس هناك أي شك بأنها لن تفوّت هذه الفرصة، وإذا ما شعرت بأن أي صفقة تقف خلف الباب سوى التصعيد فلن تتردد في نسفها لو أزعجت الأميركي نفسه.‏

فالتحذير الروسي لم يأتِ من فراغ.. والقلق المتصاعد دولياً ليس عبثياً، ولا هو خارج سياق المتوقع، بحكم ما تقف خلفه من سيناريوهات مجنونة لا تكتفي بحدود إشغال المنطقة بصراعات لا تنتهي، وزرع المزيد من بؤر التفجير المتحركة على مساحات واسعة من الإقليم، بل تشمل مقاربات تُبنى على ما يتسرب من بدائل تعدّها إسرائيل ومعها السعودية للدفع بالمشهد أبعد من حدود الرعونة والعنجهية والغطرسة بأبعادها واحتمالاتها في ظل تسارع مساحة اللعب بالنار.‏

كرة النار المتدحرجة لم تتوقف ولا هي بوارد ذلك، رغم ردود الفعل الشاجبة التي لا تكفي لردع التهور والحماقة، ولا تُقدم ضمانة في ظل انزلاق متسارع للأمور نحو المواجهة بأشكال تتباين احتمالاتها، خصوصاً في ظل تأجيجٍ لعوامل الصراع ونفخٍ في رماد جمر ملتهب، وهناك من ينتظر اللحظة ولا يتردد في اغتنام الفرصة، وفيه من الرعونة ما يكفي لشر مستطير يتحضر للإطباق على المنطقة وربما خارج حدودها، حيث المواجهة بهذه المناخات المشبعة بعوامل الانفجار تبدو من غير سقوف.. كما هي متخطية بالتأكيد للحدود.‏

This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث