ثورة أون لاين- بقلم رئيس التحرير علـي قـاسـم:
تتفاعل العلاقة بين معارك الجرود المنتهية بالعرف العسكري، وجبهات الحدود المتداخلة سياسياً مع معارك البادية على خطوط الطول والعرض، وهي تعيد تشكيل إحداثيات لخرائط ميدانية أكثر تعقيداً من تشابكات السياسة ذاتها،

وإن كانت في سياق الإنجازات التي تحققت حتى اللحظة، تشكل انقلاباً في الحسابات والمعادلات، تدفع إلى الجزم بأنَّ المفاعيل السياسية والميدانية على حدٍّ سواء هي المنعطف الأكثر مدعاة للهواجس التي تفجرت لدى أطراف وقوى ودول باتت تعيد حساباتها، والأكثر وضوحاً في أسباب القلق الذي يتسرب إلى كثير من المرتزقة والمعارضين ونجوم الفنادق التي تبدي ضجرها من طول إقامتهم..!!‏

معركة البادية الثانية إذا صحّت التسمية، ترسم بجبهاتها الجديدة الخط الفاصل بين حزمة من الخطوط المتقاطعة في خريطة المشهد الإقليمي والدولي، وهي تحدد معالم لم تكن بهذا الوضوح في أيِّ وقتٍ من الأوقات، حيث تسجل حضورها على وقع متغيرات لا تتسع السياسة لاستيعابها، ولا تقوى على الإحاطة بتداعياتها، حتى لو تنطحت لذلك، كما كان الحال في وقت سابق، حين كانت ترسم إحداثيات الميدان بمعايير السياسة، بينما تضطر اليوم لمجاراة التطورات التي تدخل في سباق مع الزمن لإعادة جدولة مواعيد جديدة، في وقت تلهث السياسة خلف ما يراكمه الميدان على جبهات مفتوحة، كانت حتى وقتٍ قريبٍ غير مدرجة على جدول النقاش.‏

وبالتوازي.. يأخذ الرهط السياسي المثقل للتشكيلات الإرهابية سياسياً وتنظيمياً بهموم الحسابات المتغيرة والمعادلات المقلوبة، حيث المقاربة المبنية على النيات الغربية، لم تعد تجد في عودتها إلى الدفاتر القديمة ما ينفع، أو ما يشفع لها للخروج من المستنقع، بعد ذلك الغرق المزمن في ردهات الفنادق بعيداً عن الأضواء السياسية والإعلامية، وهي تنبش في أوراق الخلافات المزمنة، ما تصحُّ معه معادلة الانتقام المتبادل والاتهام القسري البيني بين صنوف المرتزقة والأدوات الرخيصة، التي أقرت بغياب أي جدوى من النفخ في قربة مثقوبة، استدعت أن تطلب الرياض مباشرة من تشكيلاتها المستنسخة أن تتحضر لإعادة هيكلة وجودها، وتحديداً تلك النائمة في عسل فنادقها.‏

الواضح أنَّ الخلافات ليست جديدةً، ولا هي صالحة للتعويل عليها، بحكم أنه سبق أن رأينا فصولاً متدحرجة بعد كل منعطف وأمام كل مرحلة بعناوين تختلف عن سابقاتها، لكنها تعدّ مؤشراً في سياق تراكمات من الاستدلال السياسي وغير السياسي، بعد أن أنجزت معركة الجرود وقائعها الميدانية، وباتت في طور ترسيم فصولها السياسية التي تحتاج إلى بعض الوقت، حتى تنهي جدلها والنقاشات حولها واستيعاب الكثير مما مرَّ فيها وما نتج عنها، فالمعارك التي كانت تنتظر إعادة تموضع على جوانب خريطة المقاربة الدولية وحساباتها المعقدة، تنسج توقيتها ووقائعها بعيداً عن أيِّ تواريخ ملزمة، وهي تتحرك وفق منحنى أو قوس، يتسع كلما طال الزمن، ويكبر كلما زادت التراكمات في الميدان.‏

عند هذه النقطة تتعدد القراءات المرافقة، لما سيسمَّى لاحقاً حسم معارك الحدود، وما تفرضه، وما قد تتطلبه في سياق البحث عن جداول إضافية، يكون فيها الأميركي أول من يرغب في الاستفادة من الوقت، بعد أن راهن عليه طويلاً، ولعب على متناقضاته بصورة أطول، حين يسبق سواه لفرش أوراقه والإقرار مسبقاً بعبثية الاستمرار في الرهان على أدوات خاسرة، فكان القرار بالتراجع جزءاً من خياراته، ولم تغب يوماً عن صانع القرار الأميركي؛ بل كان سبَّاقاً في التقاط اللحظة وما تفرضه، رغم بعض المفاجآت في سرعة التنفيذ، والسؤال الملحّ ليس عما سيحصل؛ بل كيف حصل ولماذا؟ في وقتٍ تأخذ فيه السياسة الأميركية دوراً مشاكساً في تدوير زوايا المشهد الدولي، وتعلن معاركها المؤجلة مع روسيا في سياق ما فرضته من عقوبات، قد تطيح بكل ما أنجزته في الميدان من تفاهمات.‏

المطرقة التي شكلتها معارك الجرود فرضت إيقاعها لتكون جزءاً من استعادة السيطرة على الحدود، تقابلها على الضفة الموازية لها جبهات البادية المفتوحة وسندانها، التي تشتعل فيها أيضاً نقاط البحث عن ردم الهوَّة الفاصلة، حيث ما يصحّ هنا لا بدَّ أن يكون دقيقاً وفاعلاً هناك، الفارق في الطريق الواصل وتفرعاته المتعددة، لكنه في الحصيلة أو النتيجة أنه يوسع المساحة الخالية من الإرهاب، ويضيّق الخيارات على داعميه، ويصعّب من مهمة المراهنين عليه، وأول الرقص حنجلة مواربة، بدأته أميركا، وتتبعها البقية الباقية، وإن بدت أكثر استعجالاً!!.‏

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث