ثورة أون لاين : لميس حسن

توصل فريق بحثي أمريكي من جامعة "يونغ بريغهام" إلى أن قضاء وقت سعيد مع الأهل والأصدقاء، يقلل من خطر الموت المبكر بنسبة 50%، وصرَّح أعضاء الفريق بأن العَلاقات الاجتماعية القوية مفيدة للصحة مثل التوقف عن التدخين حيث أن ضعف العَلاقات الاجتماعية يوازي تدخين 15 سيجارة في اليوم، وإن تراجع الحياة الاجتماعية يُعادل معاناة إدمان الكحول، وتأتي أهمية العَلاقات الاجتماعية في أنها تزيد في صحة الإنسان بشكل أفضل من اللقاحات التي تمنع الإصابة بالمرض، ذلك أن الإنسان خلق كي يعيش مع غيره، وأن عزلته عن الناس تسبب له أمراضًا صحية خطيرة.
فوجود العَلاقات الاجتماعية بين أفراد الأسرة يعني وجود المحبة، والعاطفة، والمودة، وغيرها من الصفات الحميدة، التي تجعل الأسرة متماسكة ومترابطة.
ولعل هذا العنوان لا يثير حفيظة البعض، وهو يرى أفراد الأسرة الواحدة يعيشون تحت سقف واحد، ويلتقون صباحًا ومساءً في صالة المعيشة، وفي البيت، وقد تجمعهم وجبة الغداء على الأقل، إلا أن هذا وأمثاله قد يغيِّر رأيه بعد الاطلاع على الدراسات، الاجتماعية التي تتناول الأسرة والتحديات التي تواجهها في هذا العصر وثورة المعلومات.
فمنذ وجود الإنسان على الأرض وهو يتحرك حيث يحدِّد علاقاته مع غيره من بني جنسه، وقد يكتسب الطفل قيمه من الأسرة، ثم المدرسة، ثم المجتمع في الماضي، وأصبحت هناك بدائل لهذه المؤسسات الاجتماعية، بل وتراجعت هذه المؤسسات بدرجة كبيرة، وحلَّ محلها أجهزة التكنولوجيا في تربية الأبناء.
هذا اعتراف من أحد الأبناء، قائلاً: لا أريد أن ألقي اللوم على أحد، ولكني للأسَف، لم أتلق تربية سليمة منذ صغري، فتربيتي وثقافتي تلقيتها من التلفاز وقنواته الفضائية، واليوم يلومني أهلي على تصرفاتي المؤذية لمشاعرهم، ومشاعر الآخرين، ولم يسألوا أنفسهم أولاً عن أسباب تصرفاتي السيئة.
وأصبحت وسائل التكنولوجيا مدعاة للهروب من التعامل المباشر، وإقامة العَلاقات الاجتماعية، بادعاء الانشغال بها، وإن ضعف هذه العَلاقات وندرة القيام بالزيارات الاجتماعية، يضعف التحاور، وتبادل الخبرات والمشاعر، وتستبدل الرسائل القصيرة بها، تقول: "كل عام وأنتم بخير - رمضان كريم - سلامتك .. وغيرها".
اللافت للنظر عدم فهم النسب العالية في قضاء الفرد "صغيرًا وكبيرًا" أمام الكمبيوتر ووسائل التواصل الاجتماعي لساعات طويلة، إلا أن هذه الدراسة الحالية تبيِّن أن الإنسان اجتماعي بطبعه، فإذا ضَعُفت علاقته بأفراد أسرته، وجد البديل في التلفاز وغيره من أجهزة التكنولوجيا، وعرف أنَّ هذه الأجهزة حلت مكان الأبوين للأبناء، لكثرة مكوث الأبناء أمام هذه الأجهزة والتفاعل معها، لكن التعامل مع هذه الأجهزة يضعف عَلاقة الأبناء بوالديهم، وتنتشر أمراضاً بينهم، مثل: الاكتئاب، وحب العزلة، والانطوائية، وتقلل قابليته على قبول قيم المجتمع، ويحل محلها قيم رواد ومستخدمي أجهزة التكنولوجيا.
وبيَّنت الدراسات النفسية أن أكثر الأفراد تعرضًا لخطر الإصابة بمرض إدمان الإنترنت، هم الأفراد الذين يُعانون من العزلة الاجتماعية، والفشل في إقامة عَلاقات إنسانية طبيعية مع الآخرين، والذين يعانون من مخاوفَ غامضة، أو قلة احترام الذات، الذين يخافون من أن يكونوا عرضة للاستهزاء، أو السخرية من قبل الآخرين، هؤلاء هم أكثر الناس تعرضًا للإصابة بهذا المرض؛ وذلك لأن العالم الإلكتروني قدَّم لهم مجالاً واسعًا لتفريغ مخاوفهم وقلقهم، وإقامة عَلاقات غامضة مع الآخرين، تخلق لهم نوعًا من الألفة المزيفة، فيصبح هذا العالم الجديد الملاذ لهم، من خشونة وقسوة عالم الحقيقة (كما يعتقدون) حتى يتحول عالمهم هذا إلى كابوس يعرض حياتهم الاجتماعية والشخصية للخطر.

Share