ثورة أون لاين – ترجمة دلال ابراهيم:

سعى الرئيس الفرنسي ماكرون جاهداً إلى تصوير زيارة ترامب إلى بلاده في الرابع عشر من الشهر الجاري على أنها وسيلة لتجنب العزلة عن " حليف تاريخي ذو قيمة كبيرة " وحتى " سحبه إلى الحلقة الدولية " ولكن هذه المساعي الخطابية الرامية إلى التقليل من أثر الصدمة المثارة لدى الرأي العام من جراء قراره بفرش السجادة الحمراء لرئيس قومي موضع نزاع وجدل في الولايات المتحدة لا تستطيع أن تخفي الجوهر من هذه الجهود . وقد أبدى الرئيسان تقارباً واسعاً في العديد من القضايا الرئيسية الراهنة , إن لم يكن في الشكل فعلى الأقل من الناحية العملية .
لقد انطلق الرئيس ترامب في سباق جديد للتسلح بزيادة الميزانية العسكرية بنسبة 9% لعام 2018 , في الوقت الذي كان فيه العم سام ينفق على المعدات والجنود أكثر مما تنفقه عشرة قوى عسكرية في العالم ومن بينهم ( الصين , الهند , فرنسا , بريطانيا وإيطاليا ) كما ومارس منذ مطلع العام الجاري , ضمن هذا الإطار عمليات ابتزاز ضد حلفائه في الناتو من خلال تهديدهم بالانسحاب من الحلف . كما واتهمهم بأنهم يسلكون سلوكاً غير عادل , نظراً لأنهم يستفيدون من " المظلة الأميركية " دون أن يدفعوا الفواتير . وطالب بزيادة نفقاتهم العسكرية .
وكان ايمانويل ماكرون أول المستجيبين له في الحال . حيث أعلن جنباً إلى جنب مع المستشارة الألمانية ميركل عن مشروع " الدفاع الأوروبي " كوسيلة لرص الصفوف في أوروبا المهددة بالتفكك بعد البريكسيت . وتم منح ترامب ما أراد . وشهدت النفقات العسكرية قفزة كبيرة . والتزمت باريس على لسان رئيسها برفع الاستثمارات في " القدرات الصناعية العسكرية " بمقدار 2% من الناتج المحلي الصافي . وهذا يعتبر في نهاية المطاف عبئاً على الميزانية العامة , وسيؤدي إلى النقص في تمويل المشاريع الأوروبية للتعاون والتضامن . والدعوة إلى إنقاذ أوروبا صارت ضرورة ملحة أكثر من أي وقت مضى .
ومن جانبه , رأى البيت الأبيض بكل وضوح أن هذا ( الصعود القوي التاريخي لقوة الجيش ) هو مفتاح رئيسي " لاستعادة الولايات المتحدة لعظمتها " . وشكل ذلك في نظر الأقلية الحاكمة في وول ستريت , المتواجدة داخل الحكومة تعديل أساسي من أجل القدرة التنافسية للشركات الأميركية . وبعبارة أخرى : وسيلة لاستعادة أو تعزيز هيمنتهم على السوق العالمية . وهذا التصميم على استخدام القوة العسكرية مستمد مما يسميه الخبراء الاستراتيجيين القوميين لدى البيت الأبيض " دبلوماسية الصفقة " الرامية إلى تعديل إطار الأنظمة المتعددة الجنسيات تركة الحرب العالمية الثانية , أو حتى أن تحل محلها . وبالتالي خيم على السلام تهديد خطر غير مسبوق .
بينما سعى قصر الاليزيه في فرنسا , ووفقاً لتقاليد راسخة وللأسف داخل السلطات التنفيذية المتعاقبة إلى وضع فرنسا , وقوتها النووية في دور الملازم الإقليمي الرئيسي في العالم الغربي ضمن حلف الناتو . املاً في الحصول على مكاسب سياسية واقتصادية مناسبة . واستخدموا المشاعر التي انفجرت في أعقاب الاعتداءات الإرهابية لإخفاء المرامي من وراء دعوة " مكافحة الإرهاب " .في تحد لرأي الغالبية العظمى من المختصين , الذين يروا أن الأدوات الأكثر فعالية في هذا المجال ليست في الحصول على ترسانة الموت المكلفة والمتطورة , ولكن في مجال الاستخبارات والوقاية من الظواهر الأصولية والطائفية .وأيضاً في الوسائل التي يجب نشرها من أجل استيعاب كل تلك الجيوب البشعة من البؤس والإقصاء التي يستفيد منها التطرف .
وكانت مسألة المناخ هي التجسيد الرمزي للتواطؤ المتناقض بين ماكرون وترامب . فقد كافح الرئيس الفرنسي جاهداً في هامبورغ من أجل التوصل إلى توافق في إعلان مجموعة العشرين . والنتيجة : أعطت القمة شيكاً على بياض لواشنطن لكي تتمكن من قيادة سياسة " متباينة " في موضوع مكافحة انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري . مما يعني فوز على مراحل استثنائي للنظام الجديد الذي يريد فرضه ترامب على شركائه : لقد تمكن قطب العقارات أن يصل حتى إلى الدفاع عن إعادة تدوير المساهمات التي وعدت بها الولايات المتحدة سابقاً بتقديم الدعم لبلدان النامية لكي تتمكن من التوصل إلى استخدام الوقود الاحفوري . أي التشجيع على المزيد من انبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكربون في المستقبل . وكله لصالح صناعة النفط التقليدي أو الصخري في الولايات المتحدة , الممثلة بقوة في إدارة ترامب . وليس ثمة ما هو أقوى من الصفعة التي وجهها ترامب للمجتمع الدولي حينما اختار ترامب الخروج من الاتفاق الدولي الخاص بالمناخ الذي تم التوصل إليه في نهاية عام 2015 في باريس . فهو يتعارض مع أهداف الاستراتيجيين القوميين – الليبراليين لدى البيت الأبيض .
هذا وقد أقسم ماكرون بكل ثقة أنه اختار تكريس نظيره المضطرب لأنه " لا ييأس البتة " من إعادته في يوم ما إلى حلقة المناقشات الدولية . وفي الواقع يتخفى خلف قناع استخدام منطق قريب جداً من منطق ترامب . والتقشف يرغم , حيث أعلن عن تخفيضات هائلة في ميزانية مساعدات التنمية الفرنسية وهي أقل من الحد الأدنى المنصوص عليه في الأمم المتحدة . كما تخلى عن تطبيق ضريبة على المعاملات المالية المخصصة لدول الجنوب لكي يتمكنوا من تمويل تحولات الطاقة الخاصة بهم . وبهذا برهن ترامب والليبراليين المؤيدين للأوروبية بأوامر من ماكرون عن تقارب فريد جداً . وتقارب الرئيس الفرنسي مع نظيره الأميركي على الصعد الاستبدادية في المجال الاجتماعي , حيث يسعى ترامب والجمهوريون على تمرير قوانين جديدة من شأنها تدمير النقابات ومنعهم من التفاوض على أي اتفاق اجتماعي , وباشر ماكرون تدمير قانون العمل بأوامر .
وضمن هذا السياق يرفض ترامب زيارة بريطانيا في حال قامت مظاهرات . قضايا كثيرة جعلت ترامب غير مرحب فيه في فرنسا وكل دول أوروبا . إن الرئيس ترامب يعتبر رئيساً منحرفاً أكثر مما أظهرته التحقيقات التي عملت ضجة فيما وراء الأطلسي حول قدرته على التآمر. وكذلك إظهار معاداته للعدالة من خلال فرض عنصرية الدولة عبر إقامة جدار لمكافحة الهجرة على حدوده مع المكسيك , أو من خلال مرسوم يمنع الإقامة في الولايات المتحدة لمواطني ست دول غالبيتها إسلامية . لقد داس على بعض القيم الأساسية لبلاده . وإن فرش السجادة الحمراء لفرد من أمثاله حيث الآلاف من الأميركيين يسعون في مسيرة دفاعهم عن القانون وعن فكرة الحضارة إلى عزله وحتى إقالته , وليس تقديم شهادة حسن سلوك على صينية من فضة لا يأمل بها . وبالتالي إعطاء دليل على التواطؤ الأسوأ .


عن صحيفة لومانيتيه الفرنسية
 

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث