ثورة أون لاين- أنيسة عبود:
لفتتني إشارة الكاتب الكبيرعبد الفتاح قلعجي ابن مدينة حلب العظيمة على - الفيسبوك - حول كاتبة خربشت بعض القصائد النثرية ( هذا إذا كانت قصائد )، فاشترك في دراسة خربشاتها ثلاثة نقاد ومنهم شاعر كبير .حيث وقعت كتابها ووزعت الحلوى وتلقت المباركات والتهاني وتصدرت المنبر بزهو وفخار يليق بكبار المبدعين .

وقلت : يحدث هذا وخاصة هذه الأيام التي اختلطت فيها الوجوه بالأقنعة والزيف بالحقيقة والكذب بالصدق .والمؤسف أن كاتبات كثيرات كتبن وحظين بشهرة واسعة بينما الكاتب الحقيقي كان عشيق أو صديق ..وتوقفن بعد انتهاء الغرام والهيام وغياب العشيق .‏

ولكن من المسؤول عن هذه الظاهرة التي تتكرر ..أليس الرجل ؟ وقد تتساءلون ( لماذا الرجل ؟ )‏

لأن الرجل حتى الآن وعلى الرغم من كل ما يتحدثون عنه من حرية ومساواة مع الرجل ..إلا أنه في مجتمعاتنا العربية ..وحتى الغربية .. هو - سي - السيد الذي يسيطر على قرار النشر ودور النشر والصحف والمجلات وغير ذلك من أبواب الشهرة والتواصل ..وهو الذي ما زال يحتفظ بامتيازاته كرجل سيد له حق القوامة على المرأة سواء كانت كاتبة أم غير كاتبة .‏

وللحقيقة ..لا بد من الاعتراف بأن الرجل الكاتب ..أو المبدع لا يقل ذكورية ..وأحيانا (تخلفا) عن الرجل الذي يقطن أعالي الجهل من حيث النظرة للمرأة ..ولذلك لا يغرنكم عدد كتب الكاتب ولا عدد مطبوعاته ..ففي ذاكرته وعقله يقطن جده وبقايا شبق جاهلي لا تحرره الحروف .‏

من هنا جاءت معاناة المرأة التي تريد دخول عالم الأدب والشهرة ..فهي بالنسبة له صيد ثمين ..ويحق له أن يفاخر بإلقاء الشبك حول طريدته وإلا حرمت من امتيازات نعمته (النشر والشهرة وإضاءات نقدية مهمة ) قد تكون الكاتبة أهم من الناقد ..وأهم من الكاتب الرجل الذي يتناولها، غير أنها بحاجة إلى رأيه وإلى اعترافه ..فصار هذا عرفا (ذكوريا) وقد انصاعت له المرأة ، أما إذا رفضت أن تتحول إلى جارية في بلاط خدعة الإبداع ..فقد تلغى وتغلق في وجهها الأبواب لتنفتح لجارية جديدة ..ولكن بعض الكويتبات قرأن الدرس وحفظنه وسرن في هذا الطريق فأخذن المقاعد الأمامية وتركن وراءهن المبدعات الحقيقيات ليبقين في الظل إلى أن ينصفهن الزمن .‏

لقد لاحظت مثل هذه الأمور في المؤتمرات والندوات العربية والدولية .بحيث تدعى كاتبات مهمات ..مبدعات أستاذات ..وإلى جانبهن كويتبات متبرجات معطرات مدعيات .. فمن وراء الذي دعاهن وأعطاهن المنبر ؟‏

ومن الذي جاء بأنصاف المبدعات إلى اتحادات الكتاب وإلى ندوات المراكز الثقافية والمهرجانات سوى الرجل المكبوت الذي لا يرى في المرأة - مهما كانت مبدعة ومميزة - سوى الجسد ..‏

وهنا ..لا أعني أن ينكر المرء جسده .ولا أن يلغي مشاعره ..ولا أن يدوس على قلبه ..ولكن للقلب لغة وللإبداع لغة أخرى.‏

وإذا أثارتني ملاحظة أستاذنا عبد الفتاح قلعجي، فهذا لأني أعرف حكايات مؤلمة عن استغلال بعض الرجال الكتّاب لكاتبات مبتدئات، الذي هو بالنهاية استغلال للمرأة ككل ..وليعلم الجميع ..بأنني لا أعمم ..ولا أقصد أحداً، وليس كل المبدعين الرجال هكذا ..فمنهم أدباء كبار ساندوا المرأة ووقفوا إلى جانبها إيماناً بموهبتها وقلمها وليس بجمالها .‏

لكن لا بد من القول بان دخول المرأة إلى عالم الأدب كدخولها في غابة ذئاب ( على حد تعبير الأديب الدكتور رياض عصمت ) الذي تناول كاتبات في فترة السبعينيات من القرن الماضي .‏

ويبقى الإبداع ..وتبقى المبدعة الخلاقة، مهما كانت الظروف لأن الإبداع لا يكتب لمرحلة آنية ولا لزمن حالي ..الأدب يكتب لأزمنة غير زماننا ..ولأجيال قادمة هي التي ستحكم على تميزه وبقائه أو نسيانه وموته .وعلى كل حال تناولت مرات هذا الموضوع ..وكلنا يعرف خفاياه ..واللواتي يتصدر جسدهن المنبر يتراجعن بعد حين ليبقى الحرف هو السيد .‏

فابتعد ..سي السيد قليلاً ..دع الجسد في الوراء ليتقدم الإبداع الخلاق الموجع على التقليد والتكرار والادعاء .‏

مكان الجسد ليس على المنابر المحترمة مع تقديري للجسد (الفاني) .‏

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث