ثورة أون لاين- أنيسة عبود

يقتضي التغيير المجتمعي والفكري والسياسي الكبير الذي أصاب المجتمع العربي بعد كذبة (ما يسمى الربيع العربي)
أن ندرس بعناية تأثير هذه المتغيرات والتحولات وانعكاسها على المنجز الإبداعي والفني وما سيحدث من خلخلة في البنية المعرفية والأخلاقية وما سيتبلور عنه من تطور أو نكوص على النص المكتوب الذي يعتبر الحامل الأساسي لهذه المتغيرات السريعة والراصد الأكثر عمقاً وحفراً في الزمن المستقبلي للإبداع المنظور .‏

ولاسيما أن هذا الحفر المتعرج بين الصعود والنزول لن يتوقف على الشكل الخارجي للنص ولا على الأسلوب أو طريقة التعالق بين الفكرة واللغة التي ستوصل المضمون أو التي ستحمله إلى المتلقي .. وما كان سائداً، أو معروفاً قبل الربيع المتصحر ..لن يكون مقبولاً بعده، إذ سيطرأ نسف لكل الأشكال التي كانت تتصدر المنجز الروائي والشعري وسيتبعه بالتأكيد المنجز النقدي، وهذا هو المتوقع والمرجو .‏

وهنا لن أجزم بأن ما سينجز أو يكتب بعد هذه الاهتزازات الكبيرة لبنية المجتمع سيكون أفضل مما كان عليه سابقاً سواء على المستوى المعرفي أو الفكري أو الشكلي، لكن بالتأكيد سيكون هناك تنوعات شكلانية وخلخلة لكثير من الثوابت والنظريات التي استندت إليها الفنون بعامة والرواية بخاصة ..وأشدد على الرواية باعتبارها الآن هي المنجز الأكثر حضوراً وأكثر قدرة على استيعاب هذه المتغيرات الجذرية التي سيكون لها تداعيات عالمية أيضاً باعتبار أن العالم قرية صغيرة، وسبل التواصل الفكري والمعرفي صارت من السهولة بحيث يكون هناك فعل ردود فعل باستمرار بين قوى المعرفة والثقافة والسياسة والاقتصاد .‏

وسيكون نصيب الشعر من هذه الخلخلة قليلاً .لأن الشعر يتقوقع على نفسه منذ عقود ويتراوح بين النكوص والإقدام لأن القصيدة لم تعد قادرة - منذ زمن بعيد - على حمل هذا الكم الكبيرمن المتغيرات لدرجة أنني أتوقع أن تتفجر قصيدة جديدة مختلفة عما يسود في الساحة الأدبية من شعر تفعيلة وشعر منثور كما يسمونه ..وإذا لم تتم ولادة جديدة لقصيدة لا تمت للسائد بصلة سيتدهور حال الشعر أكثر مما هو متدهور حالياً، والدليل أن ما يطبع من شعر قليل جداً ويكاد يكون غير ملحوظ تجاه الكم الهائل من مطبوعات فكرية وسلفية وروائية، كما أن مبيعات القصيدة تدنت كثيراً ودور النشر تأبى أن تتبنى ديوان شعر، أو تطبع ديوان شعر إلا إذا كان لشاعر بمستوى أدونيس مثلاً . من هنا يتعاظم دور الرواية لقدرتها على التأثير والتغيير والخلخلة والتأريخ لقضايا المجتمع وقضايا العصر التي هي منه أو تنتمي إليه .‏

إذ سيكون لكل عصر روايته من حيث الشكل والمضمون، لأن لكل عصر واقعه المعرفي والاجتماعي الخاص الذي سينعكس على مرآة النص، وبالتالي سيعكسه النص من جديد على مرآة القارئ الذي ابتدأ به وانتهى إليه .‏

إن جدلية الصراع الاجتماعي والسياسي والجغرافي والاقتصادي والديني لا بد وأن ينتج نصاً مختلفاً وصورة مغايرة وقصيدة لا تشبه نفسها ..وإذا لم يتم التحديث والتغيير والقدرة على ابتكار نص قادر على حمل هذه المتغيرات التي أصابت العالم، فإن الكتابة ستكرر نفسها وستقع في العجز والإفلاس لتكون صورة مصغرة عن فشل المجتمع العربي في تقديم نموذج الثورة الفعلية القادرة على التغيير والتحديث والتطوير والهادفة إلى تحسين البنية الفكرية والاجتماعية والحياتية . .وكل الحذر يتأتى من ابتداع نص يشبه هذه الثورات الزائفة الفاشلة، التي لن تستطيع التأريخ ولا الخلخلة بحيث يتهاوى النص القديم دون أسى، ليخرج منه نص إبداعي جديد يناسب ما تطمح إليه اللغة من افتتان وازدهار وجمال يتوج في رواية أو قصيدة أو نص نقدي عربي .‏

وإذا ما عدنا إلى تاريخ الرواية سنجد أن هذه اللعبة الفنية الفاتنة والتي ابتدأت عند فارس الشدياق وزينب فواز، ولبيبة هاشم وكثيرين ..قد عكست الواقع الاجتماعي والثقافي وبدأت تتطور مع تطور المجتمع ومع التحولات التي كانت سائدة إلى أن ازدهرت في الفترة الأخيرة وتفوقت على الشعر والقصة والمقالة وحققت انتشاراً سريعاً واعترافاً بمكانتها، فهل ستبقى الرواية على حالها أم ستتراجع تناسباً مع تراجع حال المجتمع العربي على كل الأصعدة بدءاً من الوضع المعيشي وانتهاء بالوضع الإنساني والمعرفي والثقافي مع تبلد الوعي تجاه الذات والآخر وما بينهما من سيوف وسكاكين ورصاص قاتل .؟‏

 

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث