ثورة أون لاين - لينا كيلاني:

رسالة جاءتني من سيدة عربية تعيش في أميركا تصف فيها حال السوريين الذين ذهبوا إلى تلك الأرض لظروف شتى،
وكانت الحرب سبباً فيها.. ما استوقفني في هذه الرسالة ليس أنها تتحدث عن تفوق هؤلاء،‏

وأنهم أثبتوا حضوراً لافتاً لهم في مختلف المجالات فوق أرض غريبة، ومجتمع غربي لا يؤمن إلا بالعمل، والإنتاج، وتطوير الذات.. بل ما استوقفني فيها أن الفرد السوري الذي قهر ظروف القهر يحاول جاهداً وبتفوق أن يعيد تسمية مفرداتٍ من تراث منطقتنا العربية بمسمياتها الأصلية، والأصيلة.. تلك المفردات التي تحاول إسرائيل أن تختطفها لنفسها، أو بالأصح أن تسرقها من تراثنا العربي لتنسبها إليها.. وليس أولها أصناف طعامنا، ولا آخرها الأزياء، والمشغولات اليدوية، والرقص، والغناء، والحِكم، والأمثال، والصناعات التي تعبر عن ثقافتنا على مدى أجيال وعهود، وقد أضاف لها الإنسان العربي، وطورها وهو يسلمها من جيل إلى آخر.‏

وها هم من نبتوا من هذه الأرض التي أنتجت أولى أبجديات التاريخ ما زالوا لم يبدلوا ملامحهم، ولا استغنوا عن ثقافتهم، وإرث حضارة وطنهم فإذا بهم يقومون وبشكل عملي بعملية تأصيل للتراث الشعبي المتداول، والذي ينقله الآباء للأبناء، والذي هو حي في الممارسة، وفي الأذهان.. وهم يعيشون على نبض العودة إلى الوطن.. ولكنها عودة مختلفة هذه المرة لأنهم سيتركون وراءهم في تلك المجتمعات الغربية بصمتهم التراثية المميزة التي سيدوم تأثيرها لوقت طويل، أو على الأقل ستظل عالقة في الذاكرة.‏

وأذكر مقالة بعنوان (يسرقون حتى الكحل من العيون) للأديبة (قمر كيلاني) كتبتها قبل عقود من الزمن، وكانت لها رؤية تنبؤية لما يجري اليوم من نهب بدأته إسرائيل لتراثنا العربي، والفلسطيني منه على وجه الخصوص.. تقول فيها: (تراثنا الشعبي مهدد بالنهب والضياع بعد أن بدأت الأيدي تعبث به.. التراث الشعبي كما هو وجه الأمة هو وجدانها، ونسج أفراحها، وأحزانها، وكل ما نبض في عروقها على مدى التاريخ).‏

وها هو المثل يتحقق، ويكاد يكون بحرفيته نتيجة ممارسات إسرائيل التي لا تهدأ، ولا تقف عند حد.. (يسرقون حتى الكحل من العيون) حقاً إنهم يفعلون.. وأي وقاحة سيسجلها التاريخ بحق هذا المعتدي عندما ينسب إليه تراثاً عريقاً تعرف كل الدنيا أنه ممهور بالوجه العربي ليصبح بقدرة قادر تراثاً إسرائيلياً!!؟‏

إنها ليست سرقة فحسب، بل إنه أيضاً التأثر بالبيئة التي يعيش فيها المرء، وها هم أعداؤنا الذين جاؤوا لمنطقتنا وهم لا يحملون معهم سوى إرثاً مزيفاً من الأكاذيب، والأساطير قد تأثروا من حيث لا يدرون بتراثنا الفائق الأصيل هذا والقائم منذ آلاف السنين فوق أرضنا العربية فانبثقت في أذهانهم فكرة نسبه إليهم.. سرقة تكشف مرتكبها.. ودليل كافٍ على أن فاقد الشيء لا يعطيه.‏

إنها السلوكيات إذن التي التصقت بنا نحن سكان هذه المنطقة من العالم كما ملامح وجوهنا وجلودنا، وانغرست في قيمنا، وتعاملاتنا مع بعضنا بعضاً، سلوكيات تنبع من قيم نبيلة نشأنا عليها كما نشأ عليها آباؤنا وأجدادنا، ونحن نورثها للأبناء والأحفاد، ولكل الأجيال التي تأتي من بعدنا.. وتراثنا الفائق هذا المخبوء في الصدور، والذي نبع من أرض حضارة نحمله معنا أينما ارتحلنا ولا يهم إن كان في الأدب، أو الفن، أو كل ما هو من غير المكتوب والتعبير عنه يكون في الممارسة والتداول سواء على الصعيد الثقافي أم الاجتماعي.. فإذا به يبهر العالم، ويعلن عن حضورنا بقوة في مجتمعات جديدة ما كان لها أن تتعرف إلينا عن قرب لولا موجات الهجرة المؤقتة التي تنامت في السنوات الأخيرة.‏

بينما الأفعى الحائرة تبحث لها عن جلد جديد تلبسه دون أن تدري أن تراثنا الذي تعززه سلوكياتنا لا يمكن أن يكون إلا لنا لأنه هويتنا

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث