ثورة أون لاين - لينا كيلاني:

مدينتي الأثيرة.. أغيب عنك ثم أعود اليك.. أراك في كل رحلة عودة الى حضن أمانك، أقول أراك بعين جديدة.. دمشق.. وأنت تأتلقين تحت أشعة شمس الصيف اللاهبة كالذهب الذي ينصهر ليعود أكثر بريقاً وجمالاً.
أعود الى مدينتي.. أمشي في شوارعها.. تحتضنني كما أمي.. أتغلغل في عمق حاراتها الدمشقية وأنا أحمل شوق الذكريات.. وأتنفس هواءً يحمل لي ألف قصة وحكاية حزينة حيناً.. ومفرحة أحياناً.. ففي كل زاوية قصة.. وفي كل شارع ذكرى.. كم انقضى من سنوات الأعمار والدمشقيون يغزلون نسيج الحب كل يوم مع مدينتهم.. بل كل من سكن دمشق أو يسكن فيها، أو مرَّ أو يمر بها، أو أنه يعلقها قنديلاً مضيئاً في الذاكرة.‏

وفي حي عريق من أحيائها يسكن سفح جبل قاسيون، أصعد درجات تصل بين السفح والقلب.. وهي تهمس لي بأخبار قاطني الحي ممن رحلوا أو ارتحلوا، ومن مازالوا يسكنون فيه، وتهمس لي أيضاً أن اصعدي أكثر فكلما ارتفعتِ فوقي عرفتِ عن المكان، وأهله أكثر. وعلى الطرف المقابل ألحظ طفلة صغيرة جداً تهبط الدرجات بحرية مع جدها.. ولما كانت للبيوت الواطئة نوافذها التي تلامس تلك الدرجات تبعاً لانحدار الأرض فقد كان سهلاً على هذه الصغيرة أن تقترب من إحداها بفضول الطفولة لتكتشف مَنْ، أو ماذا في داخل المكان.. فإذا بالجد يسحبها من يدها الرقيقة برفق، وهو يكرر عبارة: (لا.. عيب).. رغم أن النافذة لا تسمح لأحد بالتجسس على غرفتها، أو على أي جزء من البيت من خلالها.. والناس هنا لم يعتد أي منهم أن يلتفت الى تلك النوافذ الواطئة رغم صعودهم وهبوطهم المتكرر كل يوم.‏

وإذا كانت الصغيرة قد أدركت معنى كلمة (لا) بألا تفعل ما فعلته، فإنها لن تدرك حتماً ما معنى كلمة (عيب) وهي في هذه السن الصغيرة التي مازالت تنقصها بضعة أعوام أخرى حتى تكتمل لديها مفاهيم الأمور. إلا أن الطفلة استوعبت تماماً أن عليها ألا تكرر اقترابها من النوافذ الواطئة فلم تفعل ذلك مرة أخرى حتى عندما أفلتت يد جدها، وراحت تقفز بمفردها، بينما تتكاثر النوافذ كلما تناقصت الدرجات.‏

إذن فهؤلاء الناس مازالوا يصحون ويغفون على منظومة قيمهم التي لم تتبدل، ولم تتغير مع تغير الأيام، وتغير أحوال البشر نتيجة ظروفهم العامة والخاصة، وما طرأ على المجتمعات عموماً من مستجدات بسبب ثورة المعلومات والاتصالات التي غيرت وجه العالم, مازالوا يعلمونها لصغارهم مهما تضاءلت أعمارهم، ولا ينسون أن يضعوا حدوداً فاصلة، وواضحة بين ما يجوز، وما لا يجوز، وبين ما هو (عيب) أو هو مباح، وبين ما هو من حقوق المرء، أو هو من حقوق الغير.‏

هذه القيم الثابتة لا تحكمها فقط منظومة الأخلاق بل إنها محكومة أيضاً بالمشاعر الإنسانية العالية وما يغلفها، وينتج عنها من المودة، والتراحم بين الأهل، والجيران، وسكان الحي الواحد، والبلد الواحد. ولعل مشهداً مميزاً كان في أحد مصايف دمشق يختصر كثيراً من الكلمات وكان يستحق أن توثقه الكاميرات عندما بادر المتنزهون إذ اجتمعوا في أحد المتنزهات الى تبادل التحية بين بعضهم بعضاً عن غير سابق تعارف، وربما العناق وكأنهم أفراد في أسرة واحدة فرحاً بأنهم تجاوزوا معاً سبع سنوات عجاف ليعود اللقاء من جديد يجمع أبناء أسرة كبيرة هي الوطن.‏

وها نحن بعد أن تجاذبتنا الشرور من كل اتجاه لابد أن نعود الى ما نشأنا عليه جميعاً في وطن عزيز من القيم النبيلة لنقول بصوت عال لكل من يتجاوز المعروف والمألوف، ويظن أن الظروف تبيح ما هو محظور: لا.. عيب.. هذا لا يجوز.‏

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث