ثورة أون لاين-أنيسة عبود:
لماذا لا أعرف كيف أتخلص من وجهك الحزين؟

عيناك في عيني ذابلتان كحنطة عطشى.. وصوتك مثل مطر خفيف ينقر على زجاج قلبي.‏

الدروب مائلة على حكاياتك والنوافذ تنصت لأنين بعيد.‏

أراك تتجه إلى الصمت وأرى الصمت يتبعك.. لا تريد أن تحدثني أم ليس لديك القدرة على البوح.. تعبت كل الحروف الجالسة على طاولتك وتنهدت من جور الليالي النقط..‏

قل ما بك؟‏

قل واذرف الدمع لعل الدمع يغسل الدقائق المتبقية في جرّة الوقت.‏

والوقت.. آه ما أطوله وما أقصره.. وما أكثر ما نفرطه على الحصير ونحن نبكي عليه.. كيف مرت السنوات ونحن نرنو إلى دمها يسيل من بردى إلى العاصي ومن العاصي إلى الفرات وأنت تكزّ على الجرح وتشيح بوجهك عن الناظرين.. لماذا لم تقل مرة (آخ) ولم تطلب جواز سفر وتطير كما تطير أسراب الحوم في هجرتها نحو الدفء كما رحلة الشتاء والصيف..؟‏

صابر.. لا تريد أن تلتفت إلى الوراء.. كأنك تريد أن تنسى ما كان وماذا جرى وكيف كنا نتمشى في رأفة الليل والنهار ونقطع مسافات الأرق بين المحطات الكثيرة.. لم تشغلنا تذاكر الغياب ولا فكرنا لحظة أن ياسمينك سيمر عليه السيافون ويقطعون عنقه وعطره ويبقرون مساءات قاسيون ويدلقون غسق الخريف على الرمال.‏

كنا نتوهم؟ أم كنا على اليقين بأنك لن تكون إلا أنت.. أنت الجميل السمح الأبي الحنون.. أنت القوي المتكبر الرضي المتواضع.. ونحن عشاقك الأوفياء.. نطيع لهفتك.. ونزرع ولاءنا في الصخر لينبت كبرياء وعطاء ومنعة.. من غيرنا؟.‏

من غيرك.. وحصد سنابل الحب من يديك.. من غيرك.. صرت كما الغريب.. تسلم وتخشى ألا يكون لك مكان أو كرسي تجلس عليه.. أنت المتعب العطش الجائع المتهالك في الحسرة.. ونحن الذين نمرّ قربك ولا نعرفك.. أو لا نريد أن نتعرف عليك وأنت في ثيابك الرثة والقهر يتهدل على كتفيك.‏

خذلناك.. أليس كذلك؟‏

وطيرنا كل الحمام الذي كان في قميصك ولم يبق حولك سوى الموت.. الموت الذي يترنم كل صباح وكل مساء.. يسير مرفوع الرأس في الحارات والقرى ويحصد الأخضر واليابس وأنت.. أنت تذرف السنوات وتفتح يديك ليسقط مطر الرحمة والحقيقة.‏

هي الحقيقة مرة ولا تعجب أحداً لأن ثمنها غال جداً.. لا أحد يريد أن يدفع الثمن.. لذلك أنت ما عدت أنت.. تغيرت.. وأنا تغيرت.. والذين حولك كلهم تغيروا وغيروا أقفال عقولهم.. الأبواب الجديدة تحتاج إلى قبضات مختلفة عن التي كنا نألفها.‏

كل شيء تحول وتبدل.. لم تعد ذلك البهي الشامخ كجبل الشيخ.. لقد كسرك أبناؤك.. وزرعوا في عبّك الخيبة العتيقة.. فأدمنت الصبر والصمت وأنا أدمنت الحزن واستحضار البعيد والجديد.. أريد أن أكسر جرار العتمة أو أسكب بعض الضوء في أكمامك الحزينة كأنما الطوفان كل ليلة يعود وكل ليلة يثقبون السفينة حتى تبتعد دروب النجاة.. كلاب كثيرة تعوي، وحوش شرسة في غاباتك.. ولكن ما زلت في مكانك.. لم تغير مكانك.. صحيح ازدادت تجاعيد جبهتك.. وترك الليل بعض آثاره في عينيك.. ونبت حولك الكثير من شقائق النعمان.. وتدحرجت قربك أنات المقهورين والمظلومين وانسكب في يديك نهر دمع من عيون الأطفال اليتامى والمقتولين.. لكنك بقيت واقفاً لم تسمح للدهر أن يخطف بصرك وبصيرتك.. ناديتنا.. لبينا النداء.. وبعضنا لم يلب.. كما ابن نوح لم يسمع النداء.. فلا بأس يا سيدي وحبيبي وقرة روحي ومهجتي.. لا بأس استطيع التحمل أكثر.. والصبر أكثر.. لكن لا أستطيع أن أرى دمعتك.. فلا تهرقها حتى لا يحدث الطوفان.. أرجوك.. أرجوك يا سيدي يا حبيبي يا وطني.‏

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث