ثورة أون لاين- سعد القاسم:
في كل مرة يجري الحديث فيها عن معرض دمشق الدولي تتجه الذاكرة نحو النُصب التذكاري في ساحة الأمويين، رغم أن النُصب لم يعد في الواقع الجغرافي على علاقة بالمعرض الذي صار يبعد عنه مسافة طويلة،

إلا أنه بقي مرتبطاً به في الذاكرة الجمعية، ولهذا فإنه أثناء التحضير لمعرض العام الماضي- بعد توقف خمس سنوات - قامت محافظة مدينة دمشق بإعادة تأهيل واجهتي النُصب، واعتُمد النُصب أساساً للهوية البصرية التي صممها الفنان بديع جحجاح لدورة المعرض التاسعة والخمسين.‏

أُقيم النُصب الذي يبلغ ارتفاعه نحو أربعين متراً مطلع ستينات القرن الماضي كنُصبٍ تذكاري للمعرض، وهناك من يقول إنه أقيم كنُصبٍ تذكاري للوحدة بين سورية ومصر. وكما اختلفت الحكايات حول غاية النصب، اختلفت حول الجهة المصممة والمنفذة، بين قائل إن التصميم أنجز في مكتب هندسي بالقاهرة بتأثير نظريات العمارة التي أطلقها المعمار السويسري - الفرنسي (لوكوربوزييه) وقام بتنفيذه متعهدون محليون، وبين قائل إن التصميم أنجزه مكتب هندسي برازيلي، فيما تولت التنفيذ شركة مقاولات مصرية.‏

ونسب عدد من الروايات التصميم إلى أكثر من معماري سوري شهير، إلا أن أياً منهم لم ينسب التصميم إليه. ويذكر الدكتور عفيف البهنسي أن منطلق التصميم هو الترس الدائري رمز النهضة الصناعية، وقد استوحى المفاهيم والعناصر المعمارية للمعمار البرازيلي الشهير (اوسكار نيماير).‏

فيما يؤكد الدكتور غازي الخالدي أن من قام بتصميم النصب هو النحات المصري المعروف صلاح عبد الكريم الذي كان قد حضر مع زميله عبد السلام الشريف من كلية الفنون الجميلة بالقاهرة للمساهمة في تصميم ديكورات وتزيين معرض دمشق الدولي.‏

(فقدم عبد السلام الشريف مجموعة تصاميم لأجنحة، ووضع فيها مكاناً لتصاميم لوحات جدارية. أما صلاح عبد الكريم فقد صمم بعض النُصب التذكارية ومن أهمها النُصب الذي ما زال حتى الآن يتلألأ بالأنوار والألوان (بالزجاج المعشق) مطلاً على ساحة الأمويين بدمشق). وتلتقي روايتا البهنسي والخالدي عند التأثير البرازيلي ذلك أن صلاح عبد الكريم قد حصل على ميدالية الشرف الدولية لفن النحت من (بينالي ساوباولو) في البرازيل عام 1959.‏

يمتاز التصميم أساساً بواجهتيه الزجاجيتين الفسيحتين اللتين كان من المفترض حسب رأي المصمم تنفيذهما من الزجاج الملون والحديد على شكل أعلام الدول المشاركة في المعرض، إلا أن صعوبة التنفيذ حينذاك أدت إلى استبدال الزجاج بمــادة (البلكس غلاس) وأدت صعوبة تبديل هذه الأعلام كل سنة وتلف الكثير منها (بسبب عوامل الطقس وما تتركه من أثر على الأعلام وعلى الشبكة المعدنية الحاملة لها) إلى تكليف الفنان الراحل عبد القادر أرناؤوط في الثمانينات بإيجاد بديل دائم ، فكان أن اختار مادة (البوليستر) لتنفيذ أشكال هندسية مجردة وملونة مستوحاة من أعلام الدول دون وجود أي علم محدد بينها. استمر هذا الشكل دون تبديل إلى التسعينات حين كانت دار الأسد للثقافة والفنون (الأوبرا) قد شغلت الجهة الغربية من معرض دمشق الدولي، وبدأت التحضيرات الفعلية لانتقال مدينة المعرض بأكملها إلى غوطة دمشق بحيث تبدلت الوظيفة السابقة للنُصب وانتقلت ملكيته من مديرية المعرض إلى وزارة الثقافة، فقامت الدكتورة نجاح العطار - وزيرة الثقافة حينذاك- بتكليف الفنانين إحسان عنتابي ومصطفى علي بإنجاز تصميم جديد لواجهتي النُصب يتناسب مع واقعه المستجد، فاختار الفنانان، من مبدأ الحفاظ على النماذج المهمة لمراحل العمارة في دمشق، الإبقاء على معطيات التصميم الأساسي وترميم الجسم البيتوني للنُصب دون تغيير معالمه، وتم اعتماد تصميم يتداخل فيه قبس النار، وهي المعرفــة الأولى للإنسان، مع الوردة الدمشقية، وحول هذه الكتلة الحمراء تتقاطع الخطوط المنحنية والمستقيمة بتناغم يمليه الشكل المعماري ليؤلف إيقاعاً متواتراً يمتلك الفراغ الكبير الذي تحدثه الساحة، كما تضفي مادة الزجاج حضوراً لونياً يكسر الإيقاع الرتيب للألوان الرمادية المحيطة بالساحة والذي ينسحب على كامل المدينة.‏

من أين إذاً جاء اسم السيف؟‏

هذا هو السؤال الذي يطرح نفسه بعد ما سبق، فإذا كان شكل النُصب يختلف كلياً عن شكل السيف الدمشقي المعروف، ذي الانحناءة القوسية الشهيرة، وإذا كانت وظيفته لها علاقة بمعرض اقتصادي وفني، فكيف انتشرت بين الناس تسميته بالسيف الدمشقي؟‏

تردُّ بعض الروايات سبب التسمية إلى أيام حرب تشرين التحريرية يوم أغارت الطائرات الإسرائيلية على دمشق، وبحسب تلك الرواية فإن الطائرات التي كانت تستهدف مبنى الإذاعة والتلفزيون لم تسـتطع الاقتراب من هدفها لوجود النُصب المرتفع، ومن هنا أطلق عليه الناس وصف السيف. القصة بلا شك لا تتفق مع الحقيقة لكنها تنتمي بشكل ما إلى الخيال الشعبي، وإلى الأسطورة الشعبية المحببة التي تمنح المكان قيمة البطولة كإنسانه، وهي تضيف إلى علاقة المكان بالناس بعداً معنوياً. وقد منحت التصميم الجديد دلالة إضافية بأن دمشق تستقبل ضيوفها بالورود، وتلاقي أعداءها بالنار.‏

مع الأيام تحول نُصب ساحة الأمويين إلى أحد رموز مدينة دمشق ومعالمها الرئيسية، وأصبح في بعض الفترات شعاراً للتلفزيون السوري، وقد نشرت مجلة (وول بيبر) الإنكليزية المختصة بالتصميم والإعلان صورة مختارة للنُصب في تحقيق لها عن مدينة دمشق باعتباره أحد معالم المدينة الحديثة إلى جانب مكتبة الأسد ومبانٍ أخرى، مع الإشارة إلى أن واجهة هذا النُصب هي إحدى أكبر واجهات الزجاج المعشق في العالم.‏

ترميم الواجهتين اللتين تعرضتا لأضرار كبيرة، بفعل القذائف التي كانت تطلقها المنظمات الإرهابية على دمشق، تم - مؤقتاً - باستخدام مادة بلاستيكية ريثما يتم توفير زجاج ملون كالذي كان مستخدماً وفق ما صرح مسؤول في محافظة دمشق لوكالة (سانا) العام الماضي. وإعادة استخدام الزجاج في واجهتي الُنصب ضرورة جمالية ومعنوية، ذلك أنه لا يمكن لأي مادة بديلة أن تمتلك ميزات الزجاج الجمالية، أما في الناحية المعنوية فهو يرتبط بتاريخ أعرق صناعة عرفتها سورية منذ القدم، وعرفتها تجارتها المزدهرة على سواحل المتوسط.‏

www.facebook.com/saad.alkassem

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث