ثورة أون لاين - سعد القاسم:

تتابع السيدة الدكتورة نجاح العطار، على طريقتها، توثيق واحدة من أكثر مراحل العمل الثقافي في بلدنا ثراءً وعطاءً، كانت فيها على رأس هذا العمل،

وذلك من خلال نشر نصوص أعدتها لمناسبات سينمائية عدة في مقدمتها مهرجان دمشق السينمائي، وقد كان منذ بداياته احتفاءً بالسينما، ونافذة للإطلالة على إبداعاتها العربية والعالمية، ومنبراً إبداعياَ يقدم السينما السورية للعالم.‏

نصوص الدكتورة العطار السينمائية جمعتها في كتابها الأحدث (السينما أم الفنون ومعجزة العصر) الصادر أخيراً عن الهيئة العامة السورة للكتاب، وهو على حال ماسبقه من الكتب التي اتخذت ذات الغاية والمنحى: يُمثِل مع قيمته الوثائقية والفكرية العالية الأهمية، قيمة أدبية سامية هي وليدة الثقافة الرحبة العميقة، والموقف الفكري الجلي، و اللغة الاستثنائية البليغة التي اتسمت بها على الدوام نصوص الدكتورة العطار، مما جعلها، وبصرف النظر عن المناسبة التي أُعدت لأجلها، إضافة مترفة إلى تراثنا الإبداعي، كما هي إضافة إلى تراثنا الثقافي والفكري.‏

تقتطف الأديبة المثقفة لمطلع كتابها الجديد مقولة ل (لورانس أوليفيه): «مهمة الممثل أن يضيء قلب الإنسان»، و ثانية ل (غوستاف لوكليزيو): «السينما لعبة مشهدية تجعلنا نتعلم أن نستثمر الزمن، ونبتكر ماضينا وذاكرتنا ومعهما مستقبلنا وحلمنا»، وتستهل كتابها بنص يحمل عنوان (من أجل سينما قومية وطنية جادة ومستقبلية) تشير في هامشه إلى أن «هذه الكلمات كتبت في ظروف مختلفة، وقبل أن تجّد أحداث صنعتها مؤامرات مجرمة، ونفذتها أيدٍ فاجرة، استهدفت تدمير الوطن والقتل والتخريب.وظل عنوان هذا الاستهلال شعار النشاطات السينمائية كلها، والمهرجانات المتتالية».‏

المهرجانات المتتالية بلغ عددها، خلال فترة ترؤس الدكتورة العطار لوزارة الثقافة، أحد عشر مهرجاناً ترسخ في ذاكرة جيلنا والأجيال المجاورة له الوفير من تفاصيل عروضها وندواتها والأحداث المرافقة لها، ومنها، على سبيل المثال لا الحصر، إعلان قيام اتحاد السينمائيين العرب خلال الدورة الخامسة لمهرجان دمشق السينمائي عام 1987. الذي اعتبرته الدكتورة العطار أهم أحداث هذا المهرجان. غير أن الذكريات الحميمة ترتبط أساساً بما بعثه المهرجان من حيوية غير عادية في أرواحنا الشابة بما جعلنا نكاد نتفرغ كلياً لمتابعة فعالياته متنقلين دون توقف بين صالة عرض وغيرها لمتابعة أفلام وإبداعات سينمائية لا يتوفر كثير منها إلا في إطار مهرجانات سينمائية جادة، حتى وصل بنا الأمر إلى حضور أربعة عروض ما بين ظهيرة اليوم الواحد من أيام المهرجان، ومنتصف ليله.‏

تحتل كلمات الدكتورة العطار في افتتاح واختتام الدورات الإحدى عشرة لمهرجان دمشق السينمائي، منذ دورته الأولى عام 1979، القسم الأكبر من صفحات الكتاب، وفيه يتمثل موقفها الفكري والسياسي النقي، ومفهومها للثقافة ودورها الأساس في الحياة ومن الثقافة السينما التي اعتبرتها منذ عنوان الكتاب أم الفنون، والتي رأت فيها على الدوام الوسيلة الأكثر أهمية في تفتح الوعي والارتقاء بالذائقة الفنية بحكم كونها الفن الأكثر جماهيرية وانتشاراً. الحرص على تأكيد هذا الفهم هو ما دفع الوزيرة المثقفة إلى إيراده في كل كلمة ألقتها في مناسبة سينمائية، وهو ما جعل أهمية تلك الكلمات ترتفع كثيراً عن حال كلمات (برتوكولية) تقليدية تنتهي أهميتها بانتهاء مناسبتها. وتمتد أهمية هذه الكلمات المرتفعة إلى تلك التي ألقيت بمناسبات التكريم السينمائية، أو كتبت في تقديم العدد الأول من مجلة الحياة السينمائية عام 1987. ويتبدى بعض من رؤية الدكتورة العطار للدور القيادي الثقافي للسينما ضمن كلمتها في افتتاح الندوة السينمائية التي أقيمت على هامش الدورة الخامسة لمهرجان دمشق السينمائي عام 1987 حيث تقول مستعيدة حديث (تشيكوف) عن أن دور الفن ليس حل القضايا حلاً صحيحاً بل طرحها طرحاً صحيحاً: «لسنا نبالغ إذا قلنا إن السينما هي التي تصنع الذاكرة، وإن الذاكرة هي التي تصنع الجانب الأهم من حياتنا». وفي موقع آخر من الكلمة ذاتها تحدد مفهومها للقيادة الفكرية: «إن فن القيادة هو ألا نسبق الجماهير ولا نتأخر عنها، والسينما هي قائدة فكرية في مجالها، ومن هنا فإن عليها أن تقيم أوثق الصلات مع الذين تتوجه إليهم، وهذا ليس معجزاً، ولا مستحيلاً، حين تمتلك السينما التي نريدها أداة توصيلها». هذا الرأي الطموح لدور السينما والسينمائيين يتجلى بأوضح حالاته في مناقشتها لورقة السينمائيين السوريين التي طرحوها مطلع عام 1977 تحت عنوان: (ورقة عمل صغيرة لأعمال سينمائية كبيرة)..‏

وتجلى في التطبيق الفعلي على أرض الواقع عبر الدعم الذي قدمته للسينما والسينمائيين، والحماية التي وفرتها لحريتهم

www.facebook.com/saad.alkassem‏

 

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث