ثورة أون لاين - علي نصر الله:

قد يعكس العنوان رغبة بمُقارنة بين شخصيتين، أو ربما يُوحي باندفاع لاستحضار مُحددات حقبتين مُختلفتين جرى في الزمن الفاصل بينهما الكثير، لكن غير الجوهري بل ليس من بين هذا الكثير ما يُخالف توحش الغرب، وربما يُحفز العنوان على إعادة قراءة التاريخ، أو على الأقل مَحطات مُهمة فيه.
لن نَخوض أو نُبحر في هذا أو ذاك، وإنما المناسبة فرضت ذاتها، وهي محاولة القراءة في الاحتفال بـ (مئوية انتهاء الحرب العالمية الأولى، وتأسيس وإطلاق مُنتدى باريس للسلام) حيث يُروج لمُبادرة هدفها تحسين التعاون الدولي، في مُقابل استذكار اجتماع المُنتصرين بالحرب، آنذاك في باريس لتقاسم الغنائم!.‏

عُقد مؤتمر باريس للسلام 1919 في نهاية الحرب، تَقاسم المُنتصرون الغنائم، خرائط ومناطق نفوذ، فرض تعويضات على المهزومين، إنشاء عصبة الأمم، وصياغة نظام عالمي لم يُحقق السلام بحال من الأحوال، ولم يَجلب الأمن، ولا احترم المساواة بين الدول من دون تمييز، بل أفرز واقعاً جديداً أنتجَ حرباً عالمية ثانية كانت أكثر تدميراً ووحشية!.‏

بحلول مئوية الحرب العالمية الثانية قد يَذهب العالم - بحال لم تتفجر الحرب الثالثة قبل حلول ذكرى الثانية - لاجتماع يُحاكي اجتماع باريس المُرتقب من حيث الشكل والمَضامين المملوءة نفاقاً وكذباً، نهباً وجشعاً، لم يتورع الغرب وأميركا عن تجسيد ذلك بالسياسات والممارسة، ولا عن التعبير عنه بالخطاب المُقزز والفعل اللا أخلاقي.‏

أيّ مُقارنة بين الحكومات الغربية التي كانت قائمة أثناء الحرب العالمية الأولى، وبين الحكومات الحالية، سواء كانت بين ماكرون وكليمنصو، أو بين ترامب وويلسون، لن تؤدي إلا إلى ذات الانطباعات والاستنتاجات رغم مرور مئة عام، إذ لم يتغيّر الغرب في شيء سوى أنه بات أكثر إتقاناً لأساليب الخداع، وصار أكثر نفاقاً وتَجرؤاً، وللدقة صار أكثر وقاحة في التَطاول على القانون والقيم، وعلى الآخرين شعوباً ودولاً.‏

لقد استبدل الغرب وأميركا المُصطلحات فقط، الانتداب والوصاية وسواها، وبات يُجاهر بتجاوزاته ومعاييره المُزدوجة والمُتعددة على القانون والمبدأ والميثاق، الذي اقترحه أو صاغه، بل إنه بات يُشعر الجميع بأن لا قيمة لكل ذلك! فأيّ سلام أو تعاون من أجله هو ذاك الذي سيَجري البحث عنه في مُنتدى باريس المُرتقب؟ وأيّ نفاق سيجري تَداوله هناك بادّعاء الحديث عن مُبادرات لتحسين التعاون الدولي؟.‏

الفرقُ الوحيد الذي يُمكن تَسجيله بين مؤتمر باريس 1919 ومُنتدى باريس 2018 المزمع إطلاقه، هو أن الأول جرى بحضور المُنتصرين في الحرب، بينما الثاني يَحتضن الأطراف التي يُحتمل نشوب الحرب فيما بينها أو يبدو اشتباكها أقرب إلى الحتمية، لا لأن الرغبة بالحرب تتوفر لدى طرفين أو لدى مُكونات مُعسكرين يتصارعان، وإنما لأن الغرب وأميركا كتحالف وكطرف وكمعسكر رأسمالي لم يتغيّر، بل يرفض كل تغيير يجعله أقل توحشاً، وفضلاً عن ذلك فهو يبحث بالخداع عن تغيير يُخضع فيه الطرف الآخر لو أمكن من دون حرب يَتحضر لها ويُهدد بها، لكنه يَتهيبها ويخشى نتائجها!.‏

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث