ثورة أون لاين - ديب علي حسن:

كان حديثاً عابراً بمكان ضم ثلة من الأصدقاء، وجاء على ذكر الكثيرين ممن وضعت في أفواههم ملاعق من ذهب، بعد أن كانوا يشتهون كسرة خبز تبل بماء، لكن الزمن دار دورته، وعلى مقولة الأقدمين: إذا أعطى الدهر أدهش، وإذا أمحل أفقر، بكل الأحوال، هذه حال وأحوال الدنيا، فمن سره زمن ساءته أزمان، مضى الحديث ليصل إلى الميراث، وما يتركه الآباء للأبناء.
صديقي الذي هبت رياح أبيه فاغتنمها، قال: لا أعرف كيف أصرف ما تركه أبي من جنى عمره، شقق وسيارات، ورصيد في البنك، وغير ذلك، كله سيؤول لي، فماذا أفعل به، كيف أصرفه، وعلام..؟‏

طرح أسئلة تحتاج إلى خبير اقتصادي ممن يسوقون أنفسهم خبراء ومستشارين، ويصرعوننا كل يوم بتحليل على الفضائيات، وبالمناسبة بعضهم أكذب من.... وكون الشيء بالشيء يذكر ثمة قول لرجل أعمال أميركي، عندما سئل: أين مستشاروك، رد قائلاً: لو كان المستشارون فعلاً قادرين على فعل شيء ما، هل يتركون المال ويأتون إلينا، أي أنه كلام بكلام ..‏

ولأني لست مستشاراً بشيء، قلت له: أفضل وسيلة لتكديس الثروة أن تفعل كما البعض، شراء شقق، عقارات، جمعيات تحت مسميات مختلفة، كله يجلب لك الربح، هز الرجل رأسه موافقاً، وهل تعرف قطعة من الأرض للبيع، شرط أن تكون قريبة من مخطط تنظيمي؟‏

لا.. لست على دراية بذلك، وإذا به يسالني هل تبيعني تلك القطعة الصغيرة من أرضكم؟ بالتأكيد: لا، سأدفع لك ما شئت من ثمن، خذ عشرات أضعاف ثمنها، لا، يا صديقي، لن أفعل، هل تعرف ماذا يعني أن أبيعك إياها؟ هل تتذكر أبي وهو يمسك (الهادور) ويطرق بعزم وقوة، شهر ونيف حتى عالج بضعة أمتار منها، وأعلى جدراناً حجرية تسند ترابها، هل رأيته ظهراً وهو عائد إلى البيت، وكأنه خارج للتو من مسبح..؟‏

هل سمعت القصص التي رواها لنا ونحن حوله قرب الصخرة التي تجذرت طرف قطعة الأرض؟ ولم يشأ أبي أن يقترب منها لأنها بركة الأرض كما يقول، ويعمل على بقائها بهية بيضاء ولا يسمح للتراب أن يتراكم فوقها، نجلس عليها صباحاً ومساء، وبضع لقيمات من برغل وزيتون، وما توفر، وحكايا لا أعرف كيف أسردها لك؟‏

هل أبيعك ميراث العرق والدم، وتسلخ اليدين، هل أبيعك قطعة من جسد، ومن نبض شرايين؟ كيف أبيعك ما هو راسخ لآخذ ما هو زائف وزائل..؟ هل سمعت أن أحداً في هذا العالم يبادل الأرض بشيء آخر..؟‏

طافت بي الذكرى إلى حيث الجبال والصخور والوهاد والوديان، حكايا العمل والأمل، أرض زراعية على امتداد مساحات شاسعة في ريفنا الساحلي، تركت، أهملت، لم تصلها طرق زراعية يوم كان يجب أن تصل، غادرنا عبقها إلى عفن لا أدري كيف يمكن الخلاص منه؟‏

صخرة أبي، هي كل ركن من أرض سورية، رأيتها في الرقة والجولان، ودرعا، وحمص وحماة، رأيت من يحرسها غيري، كما رأيت من يريد أن يطمرها بتراب زائل زائف، لكن اليد الحنون عادت لتمسح عنها دمعة حرى...‏

ما أكثر صخور بلادي.. وأعمقها وأحوجها لليد التي تعرف كيف تحميها، يا صديقي: لا أحسدك بميراث أبيك وعلى رأي من قالت: لبيت تخفق الأرواح فيه أحبُ إليّ من قصر منيف.‏

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث