ثورة أون لاين-ديب علي حسن:

لم يكن من عبث التاريخ، ولاهو محض مصادفة أن يكون الحرف في التاريخ سورية، وأن تكون النغمة الاولى من إيقاع موال شق عنان السماء يردده سوري يخاطب السماء بلغة الصفاء، من مكتبات الرقم الطينية إلى كل حرف أبدعه من سكن هذه الأرض الطيبة،
تهب كل لحظة نفحات العلم والمعرفة، ويثور بوجهها جهلة مارقون حاقدون، ذاكرتهم غبارية لاتعرف إلا ظلام الكهوف، ومع كل هذا الجبروت المعاند تشق أعمدة النور طريقها من سورية، لم يستطع جهلة المال والنفط أن يخمدوا الشعلة.‏

هاهي الشام تفرد ذراعيها للكتاب في أضخم صرح معرفي وثقافي، على جدرانه تطالعك المقولة الشهيرة: الثقافة هي الحاجة العليا للبشرية، مئات من دور النشر السورية والعربية تشارك في الحدث غير العادي للمعرض الذي استعاد ألقه وقدرته على التجدد والحياة، من نبض الناس وألمهم، حدث ثقافي ليس عادياً، ولا هو بالأمر المستغرب، فالشام التي كسرت جدار الجهل للعالم كله منذ فجر التاريخ، هاهي اليوم تعيد وترمم ما تصدع في العالم إذ غادر نورانيته منذ قرون إلى الامية الانسانية، وجعل الظلام سيد الموقف.‏

في دمشق لسنا واثقين من أمسنا كما قال درويش، لأننا نعرف أن الامس فعل قد انتهى، لسنا على تخومه، ولانعيشه فعلاً ماضياً يريد أن يحكم حضرنا بما فيه من عجر كما يريد القابعون خلف متاريسه، نحن الواثقون أن الأمس قد انتهى ولن يكون إلا ذكرى تنفع بما كان فيه من عمل وعطاء.‏

إننا واثقون من غدنا، واثقون من أن الحرف لم ولن يذبل، مئات الأطفال مع ذويهم في دور النشر، تشدهم الكتب، تغريهم، يقلبونها ويحمل بعضهم عشرات العناوين من الهيئة العامة السورية للكتاب، أو من جناح اتحاد الكتاب العرب، إذ هما الجهتان الرافدتان بكل ما هو حقيقي لخيال الطفل بعيداً عن المتاجرة ومبدأ الربح والخسارة، المشهد الذي غاب عنا سبعاً عجافاً، يؤسس للغد الأكثر نقاء وضياء، ومع كل هذا الأمل الذي يشع لكن ثمة غصة في القلب تنتابك حين ترى طالباً أو طفلاً، أو مدرساً، يقف مقلباً كتاباً يهم بشرائه لأنه حاجة معرفية بالنسبة له، ولكن صدمة الاسعار تدفع به بعيداً تنفره، كثيرون عبروا عن حزنهم لعدم القدرة على شراء ما يحتاجونه وينتظرونه من المعرض، يكملون الجولة بين الأجنحة لعلهم يجدون ما يريدون، ولكن جدار الصد يفرمل الاندفاعة.‏

الغريب في الأمر أن حكومتنا تتبنى سياسة بناء الانسان، وتعلن ليلاً نهاراً أنه غايتها وهدفها، ولكنها تشيح وقت الفعل بإمكاناتها عنه، تدعم الأبقار والدواجن، وتهدم الأرصفة وتعيد بناءها، وتخصص مليارات هنا وهناك، وتشتري جامعتنا ومدارسنا ومؤسساتنا كل شيء إلا الكتاب، وحده لا شيء يخصص له، بل إن بعض الجهات المعنية تعمل على تدوير ما كان مخصصاً لذلك إلى بنود أخرى.‏

بالتأكيد لن نطلب دعم أو شراء أي كتاب، ولكننا سنقول: إن تمويل ودعم كتاب تنويري، علمي يوفر عليك محاربة الف جاهل، دعم المكتبات المدرسية والجامعية ورفدها بالحقيقي يعني أننا نعمل على بناء جيل متنور، أن تعقد الحكومة اجتماعاً ما، أو أن تخصص جزءاً من جلستها لمناقشة حالنا الثقافي والتنويري حدث مهم جداً، ولكن هل تفعل ..؟‏

هل قرأ من يعنيهم الأمر أن ألمانيا زادت نسبة دعمها للكتاب بأكثر من 600 مليون يورو العام هذا لأنها شعرت بتراجعه، وأن مبيعات الكتب في بريطانيا لاسيما للاطفال زادت أيضاً أكثر من نصف مليار جنيه؟ وفي الولايات المتحدة التي ندعي أنها لا تقرأ الأمر نفسه، وهل تعرف أن العالم كله يقرأ ويدعم الكتاب الورقي إلا عالمنا العربي؟‏

والأكثر من ذلك هل تعرف أن هذا الكلام سيبقى حبراً على ورق لأنني كتبت مثيلاً له سابقاً وكنت أظن أنه سيحرك ساكناً، ولكن وبعض الظن ( يقين ) والصوت إن لم يلق أذناً ضاع في الصدى .........‏

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث