ثورة أون لاين:

استطاع القطاع الصحي في حلب إثبات حضوره الوطني خلال سنوات الحرب العصيبة رغم استهدافه المباشر والخسارات البشرية والمادية

سواء من خلال تدمير مشاف ضخمة أو من خلال استهداف كوادر طبية مميزة وهجرة آلاف الأطباء، فإذا علمنا أن عدد الأطباء بحلب كان قبل الحرب 8000 طبيب مسجل في نقابة الأطباء انخفض عددهم إلى 4125 طبيباً العام الماضي منهم حوالي 800 طبيب موزعين ما بين المحافظات السورية ومغادرين خارجها ندرك حجم الاستنزاف الطبي الذي لحق بالشهباء كما باقي المحافظات السورية.. وبالرغم من هذا الواقع استطاعت حلب تجاوز هذا الواقع.‏

الأخطاء الطبية.. مسار ونتائج‏

إلا أن الصورة المشرقة التي رسم ملامحها أطباء وطنيون بامتياز كان لها وجه آخر قاتم بظلاله التي كانت ملحوظة قبل الحرب لكنها عمقت بصماتها الجائرة خلال سنوات الحرب، وهذا ما دفعنا لتناول بعض هذه الهنات من خلال حوارنا مع نقيب الأطباء بحلب الدكتور (زاهر غالب بطل) في مقر النقابة.. والوقفة الأولى مع الأخطاء الطبية التي أثارت ضجة كبيرة بتكرارها مؤخراً.‏

•فعلياً.. ما هو عدد الشكاوى الطبية المقدمة لنقابة الأطباء وما هو مسارها ونتائجها؟‏

••إن عدد الشكاوى قليل جداً لا يتجاوز حالتين أو ثلاث حالات فقط.‏

• لكن العدد قليل جداً مقارنة بما يتداول في الأوساط الاجتماعية وما يكتب في وسائل التواصل الاجتماعي بماذا تفسر ذلك؟‏

•• هذا صحيح وهو دليل التضخيم الذي تستخدمه هذه الوسائل لأسباب معروفة ونحن لم نسكت وإنما نتابع ونحقق وقدمنا عدة شكاوى بالمقابل ضد من يروج لتشويه سمعة الأطباء بغير وجه حق.‏

• في حال توفي مريض في غرفة العمليات نتيجة خطأ طبي، من يثبت أن الطبيب هو المسؤول؟‏

•• هناك لجنة طبية من أصحاب الخبرة ونحن نضع رئيس المجلس المسلكي في صورة كل خطوة نقوم بها بهذا الصدد وأي شكوى قانونية تحقق فيها لجنة ثلاثية وممكن خماسية أيضاً للوصول إلى الحقيقة.‏

•ألا ترى أن قلة عدد الشكاوى المقدمة للنقابة يمكن أن يكون لضعف الثقة بمسار تحقيقاتها..؟‏

••إذا لم يقتنع المشتكي بنتائج تحقيقاتنا يمكن أن يلجأ للقضاء وهناك العديد من الشكاوى يلجأ أصحابها إلى القضاء مباشرة دون الرجوع إلينا.‏

• ما هي صلاحيات النقابة فيما يخص محاسبة الطبيب الجائر بسلوكه والجارح بألفاظه، أو غير الأخلاقي في تعامله مع المريض وذويه..؟‏

••نحن نسعى دائماً إلى إقامة محاضرات توعوية وتنبيهية حول أخطاء المهنة وأدبيات سلوك الطبيب وفن التعامل مع المريض، ونشدد على أن مهنة الطب إنسانية أولاً وأخيراً، وأن المريض يحتاج لابتسامة الطبيب أحياناً أكثر من الدواء الذي يكتبه في وصفته الطبية، وفي النهاية سلوكيات الطبيب عائدة إلى تربيته وضميره وأخلاقه.‏

• هل تقف صلاحيات النقابة عند محاضرات التوعية فقط؟.‏

••في حال تمت الإساءة للمريض بالكلام يمكن تقديم شكوى ولكن ليس لدينا قانون ضابط لهذه الحالات فقد يكون المريض متجنياً على الطبيب وهناك حالات من هذا النوع حدثت بالفعل.‏

•إذاً من يثبت خطأ الطبيب، أو تجاوزه في هذه الحالة؟‏

••الموضوع متعلق بأخلاقيات الطبيب نفسه، وفي حال أنكر تصرفاته المسيئة يمكن اللجوء إلى القضاء.. أما إذا تقدم أحد المرضى أو ذويه بشكوى نظامية للنقابة يمكن تحويل الطبيب إلى مجلس تأديبي نشكل من خلاله لجنة تحقيق للمواجهة، ونحن نضع رئيس المجلس المسلكي بصورة أي شكوى قانونية تقدم إلينا ومسار معالجتها والتحقيق بملابساتها خطوة بخطوة.‏

لوحات لاختصاصات بالجملة‏

•ما هو دور النقابة في مراقبة لوحات الأطباء باختصاصاتها وخاصة العيادات التجميلية؟‏

••لقد وجهنا إنذارات متكررة لكل الأطباء المتجاوزين بضرورة الالتزام بكتابة الاختصاص على لوحاتهم حسب الشهادة المعتمدة من وزارة الصحة ونحن نراقب بشكل دوري لوحات الأطباء، وإن كانت التغطية المطلوبة تتطلب كادراً أكبر للقيام بهذه المهمة بشكل متواتر، أما ما يتعلق بعيادات التجميل فإنه يحق لطبيب الجلدية العمل في مجال التجميل (بوتكس - فيلر - ميزوثيرابي وما إلى ذلك...) أما مراكز التجميل فنحن لا علاقة لنا بها على الإطلاق وهي ظاهرة تستحق المتابعة كون العاملين فيها هم غالباً حلاقات شعر يشترون أجهزة بملايين الليرات ويعملن بها في التجميل والمعالجات الليزرية وما إلى ذلك.. وصحة مجلس المدينة هي المعنية بمراقبة هذه الظاهرة. نحن أغلقنا مؤخراً عيادة تجميلية ذات اسم كبير في سورية لمجرد عدم استكمال إجراءات الترخيص في حلب، ونتابع عملنا بهذا الصدد بشكل مستمر.‏

قيم جائرة للكشوف الطبية‏

• ما هي قيمة معاينة الطبيب المحددة قانونياً (طبيب عام - طبيب مختص)؟ ومن يحفظ حق المواطن من التحكم بأجور الكشوف الطبية والتي تصل إلى خمسة آلاف كحد وسطي؟‏

••الواقع أن قيمة الكشف الطبي كان لا بد لها أن تتماشى مع الارتفاع الهائل في الأسعار عموماً وغلاء المعيشة خاصة خلال سنوات الحرب والمستمرة حتى يومنا هذا والارتفاع في قيمة الفحص الطبي السريري لا يخص حلب وحدها وإنما في كل المحافظات، لاحظي مثلاً قيمة المعاينات في دمشق، هي أكبر بكثير في حلب، أما القيمة المحددة من قبل وزارة الصحة فهي (500) خمسمئة ليرة سورية فقط وهذه قيمة غير عادلة ولا منصفة حالياً وتتطلب التعديل من قبل وزارة الصحة، أنا أصرح بهذا الصدد وأعلم أنه سيكون لهذا التصريح ردات فعل مختلفة وأرجو أن تكون مؤثرة لكن هذا هو الواقع.‏

•فيما إذا عدلت هذه القيمة هل ستقومون بمحاسبة من يخالفها من الأطباء؟ وهل تقومون بهذا الواجب حاليا؟.‏

•• واقعياً لا نستطيع اليوم إلزام الطبيب بقيمة الكشف الطبي المحددة من الوزارة لأنها غير منطقية، لكن في حال تقدم مريض بشكوى للنقابة من حقه استرجاع قيمة الكشف المخالفة.‏

• وهل المريض متفرغ لطرق أبواب الجهات المعنية عند كل مخالفة ترتكب بحقه وتحمل تبعات هذه الشكاوى على متابعة علاجه دون حرج أو ردات فعل سلبية؟‏

••هذه الإشكالية حلها بيد وزارة الصحة تحديداً نحن نقبل بأن تكون قيمة الكشف الطبي محددة من قبل الوزارة بـ 1500 ليرة سورية لا غير المهم أن يتم تعديلها بما يتناسب مع الواقع وسنحاسب بعدها كل من يتجاوز هذه القيمة. وأعود لأكرر أن أي شكوى تقدم حالياً بخصوص قيمة الكشف الطبي تلزمنا بإعادة ما يزيد عن القيمة المحددة من الوزارة للمريض.. ذلك أن قليلين هم الأطباء الذين يلتزمون بمبلغ 500 ليرة سورية وبالتالي من سنحاسب ومن نخالف ونحن ندرك أن هذه القيمة غير عادلة أصلاً ولا يلتزم فيها الأغلبية العظمى من الأطباء.‏

استنزاف المشافي الخاصة‏

•ظاهرة المعانيات في المشافي الخاصة قد حملت المواطن عبئاً مادياً مضاعفاً ألم يحن الوقت للحد من هذه الظاهرة؟.‏

••تعلمين أن عدداً كبيراً من الأطباء في المناطق الشرقية التي كانت جبهات للحرب خسروا عياداتهم وبالتالي كان لا بد من بدائل إسعافية لاستيعاب حاجة أهالي حلب للعلاج وهذا ما دفعهم لإنشاء عيادات متخصصة في المشافي الخاصة لمواصلة عملهم الطبي في المناطق الآمنة، وكان من الطبيعي أن تحمل فاتورة المريض نسبة المشفى المحتضنة لهذه العيادات ولكننا نسعى حالياً للتواصل مع هؤلاء الأطباء وتشجيعهم على العودة إلى عياداتهم، إلا أن الأمر ما زال معلقاً في ظل حجم الدمار الكبير الذي تعاني منه هذه المناطق رغم الجهود المبذولة لإعادة الحياة لها من جديد.‏

المريض بين الحكمة والكفاءة‏

وبالمنحى نفسه المتعلق بمسار شكاوي الأخطاء الطبية ومن يحاسب سلوك الطبيب إذا انحرف عن الأدبيات العامة طرحنا تساؤلاتنا على الدكتور (عرفان جعلوك) عضو مجلس نقابة الأطباء المركزية.‏

فأجاب: لا يوجد طبيب يريد لنفسه الفشل حتماً والأطباء في حلب بذلوا قصارى جهدهم خلال سنوات الحرب للقيام بواجبهم الإنساني والمهني ولكن ضمن ظروف مختلفة صعبة وبالأحوال الطبيعية لا يمكن مقارنة غرف العمليات لدينا مثلاً بغرف العمليات في فرنسا أو أمريكا.. لكنها قادرة على تأدية الدور المنوط بها بالمستوى الجيد والمطلوب من حيث التجهيزات والتعقيم لإجراء عمليات جراحية مختلفة والطبيب هو من يقدر جاهزية غرفة العمليات، لكن هناك طبيب يفتقد الخبرة الكافية وهذا ما يوقع البعض في إشكاليات معقدة.‏

•لكن الطبيب عندما يفتقد الخبرة الكافية المريض هو من سيدفع الثمن؟‏

••الطبيب عندما لا يجد في نفسه الخبرة الكافية عليه ألا يقدم على إجراء العمل الجراحي وهو من المفترض أن يتمتع بالحكمة وتقدير إمكانياته وحدوده، فالطبيب الناجح هو الحكيم الذي يقدر النتائج ويتصرف من خلال هذا التقدير.. الكفاءة لا يستطيع أن يقيمها المواطن.‏

• لكن المريض يحكم على النتائج عندما يقع الخطأ، ويدفع ثمنها؟‏

••نعم، لكن النتائج لها مقدمات وفي حال تم إثبات الخطأ الطبي يدفع تعويض للمريض ويتم توقيف الطبيب عن العمل وهناك مجلس مسلكي يرأسه قاضي لتقييم الخطأ والنواحي الفنية المتعلقة به ويخضع الطبيب من خلاله للمحاكمة واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقه في حال ثبت الخطأ الطبي. أما سلوكيات الطبيب فالنقابة هي المسؤولة عن تصويبها والمحاسبة أيضاً وهناك لجنة مشكلة لكل اختصاص طبي تسمى المجلس العلمي أو اللجنة التخصصية في مجال معين مهمتها ضبط سلوك الطبيب وإحالته إلى المجلس المسلكي في حال تم إثبات الإساءة أو التجاوز الأدبي من قبله. فالطبيب الزميل عندما يسيء لمريض ما، لا شك هو يسيء للمهنة بشكل عام ولكن علينا التمييز بين الإساءة الواقعة بالفعل وبين الافتراءات التي تمارس أيضاً من قبل البعض ويتم تهويلها من خلال بعض وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بما ينعكس سلباً على القطاع الطبي والصحي عموماً.‏

أخيراً‏

بالمحصلة هناك واقع سلبي يوسم الحقل الطبي في حلب ببصمة إجحاف بحق المواطن، ويشوه الصورة المشرقة لعمل شريحة واسعة من الأطباء الوطنيين بامتياز وجهود نقابة الأطباء بحلب خلال سنوات الحرب ومبادراتها التطوعية داخل المحافظة ريفاً ومدينة وخارجها في المدن التي طهرت حديثاً من دنس الإرهاب، وهي اليوم بالتعاون مع مديرية صحة حلب أمام استحقاقات تتقاسمها مع وزارة الصحة لإنصاف المريض المنكوب من خلال المراقبة الفعلية لآلية عمل الأطباء في عياداتهم، والمشافي الخاصة في أبراجها العصية عن التفتيش والمحاسبة، واتخاذ التدابير الناجعة بما في ذلك إعادة النظر في بعض القوانين والقرارات القديمة بما يحقق العدالة ما بين حق الطبيب المنصف وقدرات السواد الأعظم من المواطنين المادية، وحاجتهم العلاجية دون حيف هو بالنهاية واقع عليهم، ونقصد المرضى بما أنهم الطرف الأضعف في هذه المعادلة التي من المفترض أن يكون قوامها الإنسانية أولاً وأخيراً.‏

لينا اسماعيل

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث