ثورة أون لاين:

خطوة مهمة وجريئة أقدمت عليها الحكومة بتفعيلها شهادات الإيداع لدى المصارف العاملة في سورية من عامة وخاصة وبالقطع الأجنبي ولعموم المواطنين ولآجال غير محددة، الأمر الذي يخلق آفاقاً واسعة للعمل الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة

التي تبدأ بالإعمار وتمرّ بالنهوض الاقتصادي مجدداً من بوابة المدخرات السورية وحصراً السورية.‏

لا شك أن هذه الأداة الجديدة التي فعّلتها الحكومة من ادوات العمل التنفيذي النقدي ذات أثر عميق وملحوظ في تأطير العملية الادخارية لمختلف شرائح السوريين من جهة، وفي شرعنة الادخار بالقطع الاجنبي من جهة اخرى، سيما وأن قرار الحكومة جاء شاملا لكل النواحي إذ لم يتم تقييد هذا الايداع بتصنيف معين من المصارف بل كان السماح لكل المصارف العاملة في سورية، ناهيك عن توءمة هذا القرار بمحفزات حقيقية تحثّ أصحاب المدخرات الدولارية وسواها من العملات الأجنبية على الإيداع في المصارف الوطنية.‏

ادخار آمن‏

تبسيطاً وحتى يعرف المواطن السوري الفائدة التي سيجنيها من شهادات الايداع لدى المصارف الوطنية وكيفية حصوله على العائد الذي حددته السلطات النقدية المعنية بنسبة 4.25% تأسيساً على ما يناسب الاقتصاد الوطني والقطاع المصرفي السوري يمكن القول إن شهادات الإيداع عبارة عن شهادات ادخار بتاريخ استحقاق ثابت لأي تغير مقترنة بنسبة محددة كذلك من العوائد (الفوائد) الأمر الذي يمكّن المواطن من الادخار بالقطع الأجنبي والحصول على نسب من الفائدة والمساهمة في عملية إعادة إعمار بلاده عبر ضخ مدخراته ومدخرات سواه من المواطنين في أوصال الاقتصاد الوطني، دون أن يشكّل ذلك خطراً على مدخراته بالنظر إلى أن تاريخ استعادتها (استحقاقها) ثابت ولا يمكن بحال من الأحوال تدوير قيمتها أو توظيفها بغير الشكل الذي هي عليه، بالنظر لكونها وديعة لأجل لفترة زمنية معلومة ذات قوة إبراء ونفاذ وفعالية غير قابلة للشك مع إمكانية سحب مبلغها الأساسي من رأس المال والفائدة المضافة إليه عندما يحين أجل استحقاقها، وبعبارة أخرى فان الفرد ونتيجة تخليه عن فرصة استخدام الأموال من قبله بشكل مباشر وإيداعها لدى المصارف الوطنية فإنه يحصل على تعويض عن طريق كسب المزيد من الفوائد على إيداعاته هذه.‏

وتقسم شهادات الإيداع إلى قسمين رئيسيين وفق المحددات العالمية إذ تسمى الشهادات التي تقل عن 100 ألف دولار بشهادات الإيداع الصغيرة والتي تزيد عن ذلك الرقم ولو بدولار واحد شهادات الإيداع الكبيرة وتتراوح آجالها ما بين شهر واحد وهو الحد الأدنى للإيداع وخمس سنوات وهو الحد الأعظمي، أما بالنسبة لشهادات الإيداع السورية فإن التوجّه على ما يبدو صوب المدد غير المحددة يبدو واضحاً بالنظر إلى عدم تحديد مدة زمنية بعينها لشهادة الإيداع كبيرة كانت أم صغيرة وترك المجال مفتوحاً أمام كل مصرف من المصارف بما يتناسب وخصوصيته وما يراه مناسباً له ناهيك عن مسألة الفوائد والتي حددت بنسبة 4,25% كنقطة أساس يمكن النزول عنها بثلاثة أرباع الدرجة الواحدة لتصبح 3,50% أو تجاوزها بمقدار ربع درجة لتصبح 4,50% الأمر الذي يخلق حالة من المنافسة الفعّالة إيجابية الأثر والمنتجة في استقطاب ودائع المواطنين عبر اختيار الأكثر ملاءمة له من جهة والأكثر تحقيقاً للعوائد المجزية لوديعته من جهة أخرى.‏

توظيف المال إعماراً‏

لا يختلف اثنان على ميل المواطن السوري بطبيعته للادخار وقدرته الفريدة على توظيف مصادر دخله مهما كانت محدودة لتعطي أفضل النتائج على نفس المستوى، وفي هذا السياق توفر شهادات الإيداع للمدخرين محدودي المصادر فرصة جيدة لاستثمار أموالهم على مختلف الآجال كما توفر فرصة مهمة وعالية الأمان لكبار المدخرين في الحفاظ على مدخراتهم وبالقطع الأجنبي كما هو حالها، الأمر الذي يخلق لدى القطاع النقدي كتلة مالية ضخمة سيكون قادراً على توظيفها في مرحلة إعمار البلاد ما يعني النأي بسورية وحمايتها من خطر الاعتماد على الأموال الخارجية مهما كان توصيفها واحتضانها اقتصادياً كما كان احتضانها من أبنائها في فترة الحرب الإرهابية الظالمة التي شنت ضدها.‏

من المؤكد بعد أن أجازت الحكومة شهادات الإيداع وجعلتها متاحة للتعامل أن المواطن سيكون قادراً على تلافي مخاطر الادخار والاكتناز المنزلية على شكل أوراق نقدية مخبّأة بالنظر إلى المخاطر العديدة التي تكتنف هذه العملية من حريق وسرقة وسواها، ولا سيما أن الكثير من المواطنين عمدوا إلى الاكتناز المنزلي الشخصي نتيجة ظروف الحرب التي مرّت بها سورية الأمر الذي خلق ضرورة ووجوباً إيجاد إجراءات مبسّطة لعموم المواطنين تتيح لهم فتح الحسابات والتعامل بالقطع الأجنبي كما هو الحال في الكثير من الدول الأخرى، بحيث يكون تعامل المواطن السوري مع المصارف الوطنية لشراء شهادات الإيداع التي يصدرها مصرف سورية المركزي على اعتبار أن المركزي لن يتعامل في هذا الشأن مع المواطنين لكونه جهة إشرافية ورقابية على القطاع المصرفي كما أن لا يتيح التعامل المباشر معه في تفاصيل الخدمات المقدمة للمواطنين عبر المصارف العامة فهو في النهاية مصرف المصارف ويضع الاستراتيجيات ويراقب حسن تنفيذها كما هو حال شهادات الإيداع التي سيراقبها مجلس النقد والتسليف وفق السياسات التي يعتمدها المصرف.‏

شأن اقتصادي وطني‏

شهادات الإيداع شأن عام يمس كل مواطن وعلى وجهين اثنين إذ يمسّه مباشرة في تعامله مع مدخراته ومكتنزاته كما يمسّه بشكل غير مباشر باعتباره يخصّ سورية وهو احتضان لليرة السورية وقدرتها الشرائية وتعزيز لموقفها في مواجهة القطع الأجنبي وكل محاولات النيل منها خلال المراحل التي مرّت بها الحرب الإرهابية ضد سورية ناهيك عمّا تشكله شهادات الإيداع من مرحلة جديدة في العمل المصرفي السوري بآلياته وتعاملاته ومحدداته وكذلك مفاعيله، بالنظر إلى أن من حمى سورية هو أبناؤها ومن دافع عنها هم أنفسهم ومن احتضن عملتها والتفّ حول عملتها الوطنية هم السوريون أنفسهم، واليوم ومع دخول مرحلة الإعمار الحيّز الفعلي بتنا في المرحلة الأخيرة لدفن الحرب وإرهابها وبات من المنطقي والضروري إعمار بلادنا بأموالنا لا أموال أحد سوانا.‏

Share