ثورة أون لاين:

يخطُّ الحرف بطريقةٍ، تفرَّدت بما فيها من حكمةِ الأبجديَّة السورية.. الحكمة التي أبدعَ في إحالتها إلى لوحاتٍ، تمرَّسَ في قراءة ما أثراها بتشكيلاته الزخرفية-الهندسية.

إنه «صلاح عيد» الفنان والخطاط السوري الذي تمكّن وبالرغم من أن إقامته في فرنسا قد تجاوزت الثلاثين عاماً، من تقديمِ أعمالٍ أرادها شاهدَ جمالٍ وحضارة لأجيالٍ تتوارثها أبداً.. تمكّن من ذلك، عبرَ سعيهِ لتوظيفِ الخطِّ والتشكيل الإبداعي، في حفظِ ذاكرة الخط العربي..‏

لأجلِ هذا، ولأنه ميّز لوحاته بمضامين فكرية-فلسفية، وموغلة في عشق وطنه ولغته العربية. لأجلِ هذا، حاورناه وسألناه:‏

- قرأتُ لك: «الخطُّ هو أفضل ماتقدمهُ لنا الحياة», هل لك أن تحدثنا عن بدايةِ التقاطكَ لأسرارِ الخط العربي، وصولاً إلى تمرّسك في جعله يُثري لوحاتكَ بالثقافةِ والوعي؟.‏

--- في مدينة «حمص» المتميزة بصروحها الحضارية «الأدبية والعلمية والفنية»، ولدتُ وترعرعتُ وكبرتُ، ورافقني الخطُّ في مدارسها وفي الكتب التي كانت مُشبعة بالخطوطِ وأنواعها..‏

رافقني حتى في المنزل، فزادَ حبّي له وحاجتي لدراسته.. هذا الحب، جعل شقيقي الأكبر يهديني كتاباً هو «مصور الخط العربي» للمؤلف «ناجي زين الدين».. شعرتُ يومها، ورغم أني لم أكن قد تجاوزت الثانية عشرة من عمري، بأن هذا الكتاب، قد فجَّر ما في داخلي تجاهَ هوايةٍ، بدأتُ بممارستها حتى في الحصصِّ الدراسية.‏

إنه ما أدى إلى تقصيري في واجباتي المدرسية، وإلى معاقبتي وإنذاري بشكلٍ تفاقمَ لدى بلوغي الرابعة عشرة. لكن، للصدفِ قوانينها. ذلك أن تقصيري هذا، دخل في حالة انعطاف عندما كنت أَخُط اسمَ أستاذ الرياضيات الذي أعجبَ بما زخرفته، فبدأ يهتمُّ بي، وبدوري بدأت أهتمُّ بحصّته، وأَدْرس من أجله.‏

هنا بدأت حكاية حبٍّ جديدة، أضيفت إلى حكاية حبي للخطِّ.. حكاية حبّي لمادة الرياضيات التي كنت، وبعد أن أنهيتُ دراستي الجامعية، من الخمسة الأوائل الذين تفوقوا بدراستها.‏

دراستي لهذه المادة، أدخلتني في فضاءاتٍ ومسارح فكرية تأمّلتُ فيها بعمقٍ جماليٍّ جعلني، أتقدّم إلى مسابقةٍ للبحث العلمي. المسابقة، التي ولأنني كنتُ فيها الناجح الأول والوحيد، تمَّ إيفادي إلى «فرنسا» لإكمال دراستي والحصول على شهادة الدكتوراه.‏

هنا، بدأتُ أستعدُّ للدخولِ في تجربةٍ إنسانية مليئة بالأحلام والآلام. تجربة، بدأت بإخفاقاتٍ مُدوِّية لكن، بالأمل والعمل الدؤوب والصبر والتضحيات، تحوَّلت إلى نجاحاتٍ كان أولها، حصولي على شهادة الدكتوراه من جامعات باريس، وبأجمل وأسمى التكريمات لمسيرتي العلمية، ولثقافتي الخطية التي هي مرآة لتجربتي الممتلئة حباً للرياضيات ولكلِّ ما في الحياة.‏

- ما الرسالة التي تودُّ إرسالها بخطوطك وزخارفها، لاسيما أن أغلبها يحتاج إلى قارئٍ متمكّنٍ من الغوص في عمقِ اللغة العربية وأسرار إبداعها؟.‏

--- اللغة العربية واحدة من أعظم اللغات الحضارية في العالم، والخط العربي هو مرآةٌ لهذه اللغة وما قدمته للحضارة الانسانية من كنوز ثقافية، والتطرق لتاريخ الخط العربي، يقود بالضرورة للتطرُّقِ إلى تطور الكتابة العربية وارتباطها الوثيق بتراكم حضارات على مدى خمسة آلاف سنة على الأقل، ابتداءً بالحضارة السومرية، التي امتدت كتاباتها من البحر المتوسط حتى الهند، مروراً بالأكادية، البابلية، الآشورية، ماري، حلب، ومن ثم الفينيقية التي انبثقت منها أبجدية التاريخ الأولى، بإشارات سومرية في الساحل السوري.‏

هو امتدادٌ نشأت وتطورت بعده، الكتابة العربية وفضاؤها الثقافي الآرامي ومملكته الأكبر «دمشق» ومن ثمَّ الدخول في المرحلة النبطية، فظهور الشكل الأول لكتابتنا العربية الحالية، ولغتها ومرآتها الخط العربي.‏

من هنا، وانطلاقاً من اعتزازي اللامحدود بثقافتنا العربية، أطرح أعمالي الخطية لأعبِّر عن أشياءٍ أودّ نقلها أو تقاسمها مع الآخرين، وتُعنى بالحب، الأدب، العلم، الفلسفة، الحياة بآلامها، أحلامها، أفراحها وإحباطاتها. أعمالي الخطية ليست موجهة بالضرورة إلى عارفٍ باللغة العربية، فأنا أدعو وبأشكالها المقروءة أو المجردة، للتأمل أو الجدل.‏

-«أن تُعلِّم يعني أنَّك تفتحُ طُرقاً». هذا مازخرفتَهُ في إحدى لوحاتك.. ياتُرى، أيّ طريقٍ تسلكُ مجتمعاتنا، ولِمَ لانشعرها تدخل بمعجزةِ لغتها إلى النور؟.‏

-- في هذه المقولة، ثناءٌ على دور المعلم في نهضة المجتمع.. يجب دعم المعلم إلى أبعد الحدود، ودعمِ التعليم والسهر على تطويره. هذا يزيدُ من وعي الشعوب، ويرتقي بمعارفها وخبراتها وحياتها وصولاً إلى نورها.. إنه، الدافع الأقوى لعملية النهوض، وهو سياقٌ طويل ويتطلب الصبر والوقت وأقصى درجات الأمانة..‏

-يجد المتابع للوحاتك الخطية- الزخرفية، بأنها تحوي مقولاتٍ ثقافية لها هدف حضاري عظيم. ما الهدف من كونكَ لاتكتب حكمتكَ بل تزخرفها؟.‏

-- كلُّ ما أكتب أو أخُط، ما هو إلا صدى لوجداني، أحاسيسي وقناعاتي، وهذا ما أودُّ تقاسمه مع الآخرين. لنتمعن بالمقولة التالية: «قمة الوعي تتجلَّى بأن نعي أننا لا واعين». إنها غاية في الجمال، وهي تلخَّص من وجهة نظري، مسيرة حياة بأكملها وتُظهر بجلاءٍ محدودية إدراكاتنا فيما يتطور من حولنا.‏

لنتمعن أيضا بالقول: «الفشل يعلمنا أكثر من النجاح». لنتأمل إخفاقاتنا عندما تكون أليمة، كم تهذبنا وتثقلنا وتزيد من جمال أرواحنا وتساؤلاتنا، وهناك كلمات تقف خلفها آداب لا حدود لها. كل هذا مدعاة للتأمل. أنا أحبُّ التأمل وأحب التعبير عنه. الخط العربي بقواعده الصارمة هو أداة جمالية رائعة.‏

- في الأزمات، يلعب الأديب والشاعر والفنان أدواراً مختلفة في بلسمة أوجاع الوطن. ما الدور الذي يلعبهُ الفنان-الخطاط، وكيف ترى دوره في ظلِّ هيمنة التكنولوجيا الرقمية؟.‏

-- بلادنا جميلة وأنا خارجها منذ أكثر من ثلاثين عاماً، لكنَّ روحي ووجداني وعواطفي ظلّوا متعلقين فيها. أوطاننا هي كرامتنا وعزتنا ويتوجب علينا كلٌّ من موقعه، الدفاع عنها والحفاظ على ممتلكاتها.. بلادنا تعرضت لاعتداءٍ متعدد الأوجه من الخارج، ولحملات تضليلٍ طالت شخصيتنا في العمق، فكان من واجبي دحضها حضارياً وفكرياً وفنياً، وأعتقد أنني لم أدَّخر جهداً في هذا الصدد. يستطيع الفنان الخطاط,كالشاعر والأديب في وقت الأزمات، أن ينتج أعمالاً تدعو إلى اللٌّحمة وتبثُّ الفرح، وتحثُّ على الأمل والتفاؤل.‏

فيما يخص التكنولوجيا الرقمية، فلها إشكالاتها وميزاتها. أعتقد أنها أساءت لمهنةِ الخطاط في الفترات الأولى من ظهورها، لكنها لم تنل من إبداعاته، بل قدمت له فضاءات واسعة عزَّزت قدراته وساهمت أكثر في إنصافه.‏

- من الواضح، تأثُّر أعمالك بالرياضيات. هل تقصّدت ذلك لهدفٍ ما، أم أن الأمر يعود لدراستكَ لها وتأثّرك بها؟‏

--- حبي ووفائي للرياضيات بلا حدود. قدمت لها أثمن ما أملك من حياتي ألا وهو شبابي، ولكنها أعطتني أكثر مما كنت أنتظر منها. أهدتني أجمل تجربة إنسانية غنية بالمشاعر. إخفاقات مدوية، نجاحات غالية، آلام وأفراح، علاقات إنسانية أرجوها لكل إنسان. من هنا قدَّمت وما زلت أقدم أعمالي الخطّية المشبَّعة بهذا التأثر.‏

- أقمت أكثر من معرض في باريس، وشاركت في مهرجانات دولية. ماانطباعات الفرنسيين وغيرهم من أبناء الغرب، عن لوحاتك العربية؟.‏

-- الفرنسيون وأبناء الغربِ عموماً، يحبون الثقافة والفنون، وهم يقرؤون في أعمالي، بأن فنّ الخطِّ العربي هو واحد من الفنون الراقية والسامية، وبأنه مؤهَّلٌ بما يمتلكه من بُنى حضارية مترامية الأبعاد، لأن يكون واحداً من الجسور الثقافية بين الغرب والشرق.‏

في المعارض التي أقيمت لي في «باريس» وضواحيها، كنت أحرص على أن يكون فضاء العرضِ لتقاسمِ الود والاحترام والثقافة مع متابعين غربيين، أثارت أعمالي لديهم البهجة والفرح والتأمل، وهو ماجعل من هذه المعارض، رسالة حب وسلام بين الثقافات.‏

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث