ثورة أون لاين:

«مقامات في الحب والحرب» هو عنوان معرض الفنان أنور الرحبي, في صالة ألف نون بدمشق، ولقد صدر لمناسبة المعرض «كاتالوج» فني ملون وأنيق من القطع الكبير، تضمن قراءة للفنان الراحل فاتح المدرس جاء فيها «الرحبي رسام أولاً,

لأنه يمتلك الخط بقوة واللون بأرجوانية فواقة، ناهيك عن رموزه التي أخرجها من أواسط ضيقة ورشها على صدر العمل- التصويري «وجاء في تقديم الفنان والناقد المصري نجيب عز الدين «أنور الرحبي.. شكل محطات ملونة فيها سماكة الخط وجعل اللون الوحشي - الأحمر والبرتقالي والأسود والأزرق بروح فنان صادق، وعازف ماهر على مدارات ملونة. وكتب الفنان التشكيلي بديع جحجاح يقول «في زمن ما عند الجسر المعلق على الفرات العظيم، الذي اصطبغ بألوان امتزجت بضوء الشمس، وحولتها الرياح الى غبار مقدس، تلمح تلك الخطوط السوداء المجنونة،المشحونة بالطاقة والعاطفة..‏

ستعرف أنك في حضرة الفنان أنور الرحبي..» أما غالب صوان من لبنان فكتب يقول: «لايمكن لك عندما تشاهد عمل الفنان أنور الرحبي، إلا أن تدخل في حال المتصوفين وتعشق السفر في ذلك الفضاء الكوني اللوني لتزور دير الزور وتتعرف على تراث المدينة..».‏

على الصعيد التشكيلي‏

وبدوري ومن خلال متابعتي الطويلة لتحولات وانعطافات وإشراقات فن أنور الرحبي، يمكنني استخلاص الجديد الإبداعي، الذي ميز هذا المعرض، فهو في هذه اللوحات المتوسطة والكبيرة الحجم (أكريليك على كانفاس) يتجه نحو الاختصار والاختزال في تجسيد رموز الحب والحرب والسلام (العناصر الإنسانية والمعمارية والحمامة والرؤى الأسطورية) مع بعض التشكيل الهندسي، الناتج عن التقاطعات الأفقية والشاقولية والأقواس والمستطيلات والمثلثات، التي تحدد شكل البيت القادم من معطيات الذاكرة ومخزونها البصري, كما أن تقنية وضع المادة اللونية تساهم في حضور الجو الشاعري, الذي تتطلبه رموز الحب والسلام، الآتي بعد سنوات الحرب,رغم أن تقنيته لها خاصيتها في إضفاء الكثافة والغنائية عبر تركيب اللمسات والحركات والطبقات اللونية، وفي هذه الحالة ينطلق من مشاعر تلقائية وغنائية ووجدانية، تعتمد على حركة الخطوط السوداء الرفيعة التي تحدد العناصر والأشكال (الحشود البشرية والبنى المعمارية وغيرها).‏

هكذا تشكل لوحاته مدخلاً لاقتناص العناصر بأقل مايمكن من الإشارات الخطية واللونية، وكل ذلك يوصلنا إلى الصياغة الفنية في اتجاهاتها والتعبيرية والرمزية، المنطلقة من الواقع والتاريخ والإشارات التراثية لمدينته دير الزور.‏

وهو في ذلك يقدم ثمرة وخلاصة بحوثه التشكيلية والتقنية بعد مشواره الفني الطويل، في الرسم والعرض داخل سورية وخارجها، بمزيد من الأحساس الذاتي الذي يميز تعبيريته المبسطة وحوارية الايقاع الاختزالي، وهذا يجعله يتنقل بين الوعي والانفعال في صياغة تشكيلاته الفنية الحديثة، التي تحقق حالات التوازن والمواءمة, بين الماضي والحاضر، وبين الشرق والغرب.‏

حشود بشرية‏

ففي جلسات عمله الطويل,يحافظ الرحبي على منهجية صياغة اللوحة المنضبطة والمدروسة على الصعيدين الاسلوبي والتقني، رغم كل العفوية والتلقائية المقروءة في حركة الخطوط والالوان، وهو في الغالب يجسد الحشود البشرية، ضمن بناء هندسي مكون من خطوط شاقولية وأفقية تكاد تكون وهمية أو افتراضية, تحصر ضمنها مستطيلات ومربعات، الى جانب حضور الدوائر والمنحنيات, وضمنها يعمل على توزيع العناصر البشرية بكثافة لافتة, وتبرز مظاهراستخدام تقنية الاكريليك بدرجاتها وحساسياتها المختلفة (شفافة وكثيفة ومخففة ومركبة من طبقة لونية او عدة طبقات).‏

إن تكثيف العناصر البشرية المندفعة نحو بعضها البعض، يشير إلى وجود ملحمة (حرب) كما أن وجود عناصر إنسانية منفصلة عن بعضها، في لوحات أخرى يؤكد حالة الغربة التي نعيشها في أزمنة الحروب والويلات, ومع ذلك لا تقع هذه العناصر في ظلام اليأس، وإنما يمنحها فسحة من الأمل والتفاؤل بالسلام الآتي رغم كل الاستحالات المتعاقبة عبر بعض الإشارات والرموز.‏

وفي لوحاته، لا يبتعد عن روحانية الشرق, فهو يتعامل مع الحس الروحاني بشاعرية تعتمد على إبراز حركة الريشة المنظمة للانفعالات والعواطف العابرة, فالشكل الهندسي في لوحاته هنا (المربعات والمستطيلات والخطوط المتوازية) لا يظهر إلا عبر مساحات لونية هادئة، وبذلك فهو يحرك هندسته التشكيلية بعيدا عن الانفعال اللوني، ويقيم حواراً بصرياً عقلانياً، مع أعطاء أهمية للبياض اللوني، الذي يحقق حالات «الكونتراست» ما يرسخ الانطباع، بأن أعماله هذه تبحث عن علاقة التشكيل بالجانب المتحرك، من روحانية أو نورانية الشرق.‏

هكذا تتداخل الخطوط اللونية والمساحات التشكيلية بتلقائية شديدة العفوية وباندفاع عاطفي ووجداني, بعيد كل البعد عن أي صيغة تسجيلية أو تزيينية أو حتى هندسية (بمعنى الهندسة المستوية أو الفراغية المحكومة بمعادلات وأرقام رياضية), فهو التنقل هنا بين تشكيل عقلاني محض، وبين تلوين عفوي وتلقائي وارتجالي صرف, وهو التحول بين الاداء العقلاني الهادئ والمدروس والمركز، وبين الارتجال التلقائي المحبب المفتوح على معطيات وتداخلات ثقافة فنون العصر.‏

وهو يرتكز في كل مرة على حركة عاطفية وتطلع ذاتي في بناء اللوحة،وتبدو مخيلته اللونية متجهة بقوة لإيجاد علاقات جمالية مغايرة وخاصة به، بما تحتويه من صدق وعفوية في حركة الخطوط واللمسات اللونية التلقائية، وهذه الرؤية المتحررة، للتشكيل والتلوين، التي يعالج بها مواضيعة واشكاله، أدت إلى اضفاء اللمسة الذاتية، التي تقربه من الحداثة وروح العصر، فالتكوين التبسيطي الذي يعتمده، هو لغة وثقافة حديثة لفن الواقع، وهو الأكثر عفوية وتلقائية وغنائية.‏

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث