ثورة أون لاين:

علي الأحمد:

بالرغم من وجود التيار التجاري في موسيقانا العربية ،ومنذ القدم ،إلا أن التيار الكلاسيكي الأصيل ،كان سمة غالبة ،لمنتوج هذا الفن النبيل ،الذي قيض له علامات وخبرات معرفية كبيرة ،ساهمت في وضع هذا الفن ،ضمن مساره الابداعي المنشود شعرا ولحناوصوتا واداء .
- ومابين هذين التيارين المتصارعين فكريا وايديولوجيا ،شهدت موسيقانا واغنيتنا العربية ،مراحل من الجمود والتكلس ،بالرغم من وجود خبرات وعلماء وفلاسفة كبار ،تنادوا الى تأطير هذا الفن ضمن منظومته التربوية والاخلاقية ،حيث لابد للفن عموما والموسيقى بخاصة ،من ان تحمل هم الدور والبعد الرسالي العظيم الذي يقود عبر جماليات اللحن والصوت والأداء الى أنسنة الحياة وإعطائها ابعادا تعبيرية وذوقية وجمالية ،تمنح المتلقي الكثير من مطالبه الروحية والوجدانية ،عبر التماس الادراك الجمالي للفنون ،والقدرة على قراءة العمل الفني ،قراءة معرفية جوانية ،تعكس ثقافة وذوق العصر الراهن ،كما تعكس الرؤية الفنية المنشودة للموسيقي العربي عبر ارتحاله نحو الآخر ،وفعل التثاقف والحوار الحضاري الخلاق ،والبدء بمشروع موسيقي مغاير يتبنى تلك المقولات الفلسفية والجمالية ،وترسيخ هذه الرؤية المنفتحة في المشهد المعاصر ،الذي لايخلو بطبيعة الحال ،من هذه الومضات الابداعية بدلالاتها الفكرية وتجلياتها الذوقية المنشودة ،بالرغم من الحصار الخانق الذي تعانيه ،من انفضاض شركات الانتاج وتجاهل المنصات الاعلامية لها .وهكذا يبدو الواقع الموسيقي العربي ضبابيا وغير مستقر أبدا ،حيث التجربة المابعد حداثوية لم تهدأ ثورتها وتنطفئ جمرتها وتفاعلها في محيط موسيقي تختلط فيه النزعات والأهواء وتتقلص فيه مساحة الابداع الى حدودها الدنيا ،بفعل الصعود المرعب للتكنولوجيا والبرامج الذكية التي اثرت من دون شك على الجانب أو البعد الروحي والوجداني ،في عملية الابداع والانتاج الموسيقي المعاصر ،حيث تغلف الأغنية المعاصرة بأثواب واكسسوارات براقة لكنها مخادعة ،فقيرة على المستوى الذوقي والجمالي ،هذه الموسيقى أو الاغنية يصرف عليها الكثير من المال وتسخر لها كل الامكانات الانتاجية والاعلامية والاعلانية من دون جدوى تذكر ،هي اشبه بفقاعات الصابون التي تنطفئ سريعا ،لاتترك أثرا في الذاكرة والوجدان ،لأنها ابنة الاستهلاك العابر ،بايقاعها الصاخب الحسي ، الذي يستهوي الفتية والمراهقين بنسبة كبيرة ،وكلماتها التي تنحى منحى فيه الكثير من الاباحية والانحطاط الاخلاقي والتربوي ،ولحنها الذي يستقي الكثير من حضوره وراهنيته ، من موسيقات الغرب التجارية ،واخيرا وليس آخرا ،الصوت الذي لاصوت له ولا أثر ،حيث يستعاض عنه بثيمة الجسد الأثيرة على صناع وتجار هذا الفن من منتجين ومخرجين واصحاب دكاكين اعلامية تحول اغلبها مع الأسف ، الى مايشبه الكباريهات المتنقلة ،و" دقي يامزيكا " . هذا الواقع المرير أدى في واقع الحال الى تغييب تلك الروح التواقة للأصالة والابداع الحق ،حين كان المغنى بالفعل حياة الروح ومبعث بهجتها وسعادتها ،في زمن الفن الجميل الاصيل ،الذي حافظ على هوية ودور ورسالة هذا الفن ،بفضل اولئك الفرسان العظام الذين سخروا علومهم المتقدمة لكتابة موسيقى عربية حداثية تحمي ميراثها الروحي ،وتسعى الى تجديد بنيتها على الدوام بكل ماهو نبيل وجليل في هذا الفن الانساني العظيم .فهل تعود هذه الاغنية الى بيتها القديم ولو رمزيا ،ونراها كما عهدها السابق ،حياة الروح ،وروح الحياة ،التي تئن من شدة ووطاة الجانب التجاري الاستهلاكي الذي يتغلغل في كافة مفاصل هذه الحياة ،ومن أقدر من الفن كي يعيد لهذه الحياة جذوتها وعنفوانها وسرها المفقود ؟!

This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.

Share