ثورة أون لاين - د.ثائر زين الدين:

منذ كنا أطفالاً وصورة شايلوك التي رسمها شكسبير(1564-1616) في مسرحيّتهِ الشهيرة «تاجر البندقيّة» لا تفارقُ مخيلاتنا، إذ كيف يمكنُ لإنسانٍ أن يقتطعَ من لحم إنسان آخر وزناً ما ومن أقرب منطقةٍ من القلب؛

فيما لو عجزَ الآخر عن الوفاء بدينه!! لكننا حين بدأنا نعي ما يفعلهُ الصهاينة بالفلسطينيين أدركنا، أن ما رسمه شكسبير في وصف تلك الشخصيّة التي تعبر بدورها عن مجموعة معيّنة من الناس، ليست غريبةً البتّة! لكن السؤال المهم أيضاً: هل كان شكسبير وحده من انفرد بتقديم تلك الصورة للتاجر أو المرابي اليهودي؟ بل لليهودي بصورة عامة؟‏

قراء الأدب يعرفون أن عديداً من الأصوات الإبداعية الأوروبيّة والآسيويّة والأمريكيّة اتفقت على ما يشبه أنموذجاً لأبناء هذه الفئة، وحتى أولئك الكتاب الذين ركّزوا على ضحايا هذه الجماعة على يد هتلر، ما استطاعوا أن ينكروا صفات الكثير من أبناء تلك الجماعة في الجانب الإنساني والأخلاقي، وفي هذا السياق تلفتُ الانتباه بقوة صورةُ الأنموذج المذكور، التي تقدِّمها رواية «البلقان»، للروائية والشاعرة الروسيّة المعاصرة سفيتلانا سافيتسكايا، التي صدرت تَرجَمَتُها إلى العربيّة عن الهيئة العامة السوريّة للكتاب، والتي تجري أحداثها عشيّة حرب التحرير الروسية- التركية (1877- 1878)، في مدن بلغاريا، والبلقان عموماً. تشتغلُ الروائيّة ضمن شخصيات الرواية غير القليلة على سلمى العجوز اليهوديّة البلغاريّة وأولادها، وسلوك هؤلاء وتصرفاتهم مع المسيحيين والمسلمين في «إسكي زاغرا»، قبل نشوب الحرب وخلالها، وسأقتبسُ من الرواية بضع مقبوسات تقدّم لكم الصورةَ بمفرداتِ الروائيّة نفسها:‏

«العجوز سلمى مضطرّة للمشاركة في عرس عازار! تذمّرت. عازار الابن الأكبر غير المحبّب لسلمى. لا تحبُّهُ ولا تحبُّ سواه هنا. عازار عديم الأخلاق. ربّى الماعز، وانتقى زوجة عديمة الأخلاق. وسلمى ترى، كيف تكره هذه حماتها. لا تنبسُ ببنت شفة. لكن عينيها تغليان بالقطران لا- لا، تحرقان، وتصرِفُ بأسنانها، عندما تجلس سلمى إلى المائدة.‏

الابن الثاني أبراهام، وهو منذ زمن طويل في صوفيا، يعيش بترف، لكنّه غير مبال ولا يعنيه شيء، يعمل في البنك. يملك النقود! أبراهام المُفضَّل، حظه جيّد، وجميل. يشبهها تماما! لكن كي يزور أمّه، ترسل إليه سلمى النقود، وتعوّضهُ مصاريف الطريق. إنّه لا يسافر في مثل هذا الوقت. و لن يأتي إلى عرس ابن أخيه عازار. سيُضطر هنا لإنفاق النقود ثمناً للهديّة! إضافة إلى تكاليف السفر! لا، لن يأتي أبراهام.‏

الثالث باروخ من لوفيتش و هو لن يأتي أيضاً. يمرض باروخ دائماً. وكما كان وهو صغير - يجري وراء الثدي، ما زال حتى الآن يجري وراء الثدي! إنّه بخيل جداً يعيش على حساب الآخرين، لقد أخذ كل شيء. وكلّما تسألُ العجوز كيف يعيش ابنها، يجيبها دائماً:‏

- بشكل سيء! لا نقود!‏

ولا يمكنها ألا تسمح له بتجاوز عتبة بيتها، ابني يفعل ما يناسبه فقط. لقد أخذ في العام الماضي ملعقة الفضة الوحيدة لديّ. ويقول إنّهُ باعها لأجل العلاج. وتعرف سلمى أن ياشا رأى الملعقة عنده فيما بعد. آه، ياشا ابنها الرابع، سيأتي إلى عازار. ياشا سيجد المبرّر! إنّه يحسن التصرّف»، وفي مقبوسٍ آخر تتابع الروائية رسم الصورة: « بدأ الغسق يخيّم، ميّزت العجوز وسط غابة فتيّة كثيفة دخاناً يتصاعد. مدّت أنفها، اشتمّت رائحة لحمٍ مسلوقٍ حلوة. واندفعت نحو الموقد بسرور، وكما حدسَ قلبها، ففي هذا المكان الذي باح بموقعه ياشا، جلس يمنويل و يكيم. يسلقان أرنباً برّياً في قدر فوق الموقد.‏

فرحت سلمى، وهي تمد يديها العظميّتين الطويلتين نحو النار.‏

- لقد اصطدنا، و حالفنا الحظ! التقطنا أربعة أرانب بالمصيدة! أحدها- في القدر! طعام يتوافق مع الشريعة اليهودية! وسنهدي الثلاثة الباقية. يقدمُ كلٌّ منا بما فيهم أنتِ واحداً. هدايا جيّدة لعازار على مائدة العرس!‏

ارتاحت العجوز بعد أن تدفَّأت:‏

- هذا جيّد. نعم . جيّد.‏

- لكننا لا نعلم، هل ننزع الفراء عنها أم لا؟‏

رفعت العجوز حاجبيها:‏

- الفراء؟ الأفضل ألا يُنزع. الأرانب تبدو أسمن في فرائها.‏

- هذا صحيح.‏

قلقت العجوز فجأة:‏

- ماذا تقصدان؟ ستهديان الأرانب الباقية كلّها؟‏

- نعم.‏

- لا. هذا ليس صحيحا- فكَّرتْ - الأفضل تقديمُ واحد. والاثنان الآخران يُنزعُ فراؤهما. سيُسرُّ عازار كثيراً بالفرو!‏

- وهذا جيّد، أمّاه، جيدٌ ما فكرت به، لماذا هذا اللحم كلّه؟ إنّه عرس، وصاحب العرس يحضّر حتى هذا اليوم الكثير من اللحمة والنبيذ!‏

- أيّ- يايّ- يا، أيها الطفلان الصغيران! لماذا الفرو لعازار؟ لديه قطعان من الماعز بأكملها. ابقوا الفرو لكما. ستبيعانه قبيل الشتاء.‏

تكلّمت سلمى برزانة:‏

- خذ الأرنب الرابع، يكيم، وضعهُ في مكان بارد من المغارة! و رغم أنّه الأصغر حجماً، لكنّه هدية رائعة، لا أحد يفكّر بتقديم مثلها إلى عازار! كيف الوضع هناك؟ اللحمة؟ هل سُلقت؟‏

فتحت العجوزُ اليهوديَّةُ طيبتُها على مصراعيها. حلّت عقدة الكيس وأخذت منه كيسا ثمينا صغيرا مملوءاً بالبهارات، التي نادراً ما كانت تفتحه. هناك الزعفران، والهيل، والقرنفل المطحون، وستة أنواع من الفلفل المجفف.‏

بَهَّرتْ سلمى الحساء، ورمت فيه بصلتين كاملتين. فانتشرت من القدر رائحةٌ جذابةٌ شهيةٌ جداً».‏

لكن الملامح الأشنع في هذه الصورة هي تلك التي ترسمها المؤلفة لأحد أبناء سلمى (ياشا) وقد خان بلدته «اسكي زاغرا» بأن اتفقَ مع الباشا التركي الذي تمكن من دخول المدينة، فأرشده إلى بيوت السكان البلغار الأغنياء ولاسيما المسيحيين، لقاء بعض ماسيجدونه من ثروة في بيوتهم، فكان الباشا التركي يرمي للفتى اليهودي بما يرغب من ممتلكات تلك الأسر، ويبيدها أمام عينيه لأنها ثارت على الاحتلال العثماني، ويجمعُ الفتى تلك الأشياء في مخبأٍ خارج المدينة. نقرأ من الرواية: «أفرغ ياشكا لليوم الثالث على التوالي ما جمعه من أغراض منهوبة في قبو حجري واسع في المقبرة اليهودية القديمة، وكما علّمه «صوته الداخلي» «لا تضع بيضك كلّه في سلّة واحدة»، فقد خبّأ حاجياته ليس فقط في هذا القبو، بل في كهفِ قبرٍ قديمٍ مُهدّم في مقبرة أخرى، وتحت أرض مستودع، هجره سكانه منذ عشرات السنين.‏

تحرّك بسرعة مثل المكوك من المدينة وإليها ، حتى لم يتبقَ ولو بيت واحد ميسور إلا ودخله، ترك الحاجيات الصغيرة دون اهتمام. وقرر العودة، وتذكر هنا رغبته القويّة بتناول الحليب ، كما تذكرأمّه الحبيبة سلمى.‏

كم ستفرح الآن.‏

سيأخذها ياشكا إلى البحر الدافئ - والرمال الذهبية مع البقرة، التي لا مثيل لها في إيسكي زاغرا، و «سيعيش كإشبين الملك، يعيّن الوزير» ويربي أبقاراً من سلالة الحليب - الحلو بالتحديد.‏

صعد ياشكا من جديد إلى العربة. ووجّه الحصان إلى بيت بيكور بيك.‏

وازن أثناء الطريق بين «مع» و «ضد» : «تقاسُمُ» المسروقاتِ مع إخوته و«عدمُ تقاسمها». وعندما اقترب من عزبة التركي المحترم، قرّر - عدم التقسيم! ولأي سبب قد يفعل ذلك؟‏

كان بيت بيكور بيك مُهدَّماً تماما. وقد انتشر الجار وأولاده الكثر بين أنقاضه.‏

Share

أضف تعليق


كود امني
تحديث